في القصيدة التي مطلعها: أمن طللٍ أقوى من الحي ماثلُه تُهيّجُ أحزان الطَّروب منازلُه يقول كثيّر عزّة لمحبوبته مادحًا نفسه: [كريمٌ] يُميت السرَّ حتى كأنّه إذا [استخبروه] عن حديثِك جاهلُه وقد يمرّ القارئ بلفظة [كريم] في صدر البيت فيَعُدّها من النعوت التي يرصفها الشعراء لتستقيم لهم الأوزان وتتهيأ لهم مقدّمات المدح، ثم يجاوزها إلى ما بعدها لأنّ ما بعدها هو الصورة المطلوبة فلا يجد مناسبةً بين الكرم وكتمان السر.. ولكن كُثيّرًا -رحمه الله وسقى قبره- شاعرٌ مطبوع، والشاعر المطبوع لا يبذل صدر بيته حشوًا.. وقد كان له من الألفاظ ما هو أقرب إلى معناه وأدلّ عليه في أوّل النظر، ومنها ممّا يستقيم به الوزن: كتومٌ وحفيظٌ وأمينٌ. فعدوله عن الأقرب إلى الأبعد لا يُعلَّل بضرورةٍ ولا بوزن ولا بحصر ولا بغلط، وإنما يُعلَّل بأنّ الأبعد أصدق على كل حالٍ كان المقول شعرًا أو نثرًا. وكانت طرأتْ لي مناسبةُ ما بين الكرم والكتمان، ولكنّي طلبتُ الاستيثاق من الرواية، فما وجدتُ فيما بين يدي من نسخ الديوان وكتب الرواية والأدب إلّا أنّ الرواة تعاوروا الشطر الثاني فقالوا استخبروه واستبحثوه واستنطقوه، ولم يعرض...
عقدت السعودية وباكستان وتركيا اتفاقية مكة، وهي اتفاقية تأخرت كثيرًا ولكن كان من المتوقع من نمط السنين الأخيرة أن تتأخر أكثر من ذلك لولا الحرب، والحرب تختصر السنين وترتّب الهموم.. عُقدت إذن اتفاقية مكة، ونعرف أنّ مضمونها: التعاون والاشتراك في شؤون الحرب والدفاع.. وهو اتفاق مثلّث الأضلاع، ضلعه الشرقي نووي ثم ضلع اقتصادي ثم ضلع صناعي.. فهل يعني هذا الاتفاق ما يعنيه الحلف التام؟ وهل يعني أن تركيا وباكستان ستعلنان الحرب على إيران إذا اعتدت على السعودية أو أنّ السعودية وتركيا ستحاربان الهند في حال اعتدائها على باكستان؟ إنّ في الاتفاق من الالتزامات ما يشير إلى ذلك ويؤسس له، غير أن الدخول في حرب نظامية كاملة دونه خطوات وتعقيدات، وقبله خطوات من التنسيق والإسناد مرهونة بكل حالة على انفراد.. وتبقى هذه غاية مرجوّة، أو قد تكون كذلك، ولكنّها ما زالت تحتاج إلى مزيد من التنسيق والثقة والتعالي على الخلافات التي لم تُحسم بعد، ولكل دولة من الدول الثلاث حساباتها، وما زالت كل دولة مشدودة بحلفائها ومصالحها التي قد تتعارض في كثير من القضايا، وحتى تجيء تلك الخطوة يبقى الاتفاق ردعًا قائمًا في ...