التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشعر ومأزق الترجمة

 

 


أخذت أتأمل في الشعر العربي وأجيل النظر فيما كان به العرب أمّة الشعر واللسان ولأي شيء كان سبيل دعوتهم وهدايتهم هو البيان الذي تحدى به الله فصحاءهم وبلغاءهم من الشعراء المفلقين والخطباء المصقعين، فقادني التأمّل في الشعر العربي إلى التأمل في تاريخ العرب وهو تاريخٌ عريض نلخّصه حين نقول إنه تاريخ الإنسان في اللسان.. 

يُؤثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: "كان الشعرُ علمَ قومٍ لم يكن لهم علمٌ أصح منه"

كان العرب شعراء في نظمهم وفي نثرهم، وكان الشعر عندهم نظامًا للذوق ومستودعًا للأخلاق وميزانًا تُوزن به الملكات، وكان الشعر عندهم سبيل الرواية والتاريخ ووسيلة الإعلام والإشهار وذريعة التكسب والاعتياش وطريقة الخفض والإعلاء، حتى صار الرجل يُعرف ببيتٍ يقوله أو يرويه كما يُعرف بنَسَبٍ ينتسب إليه، وصارت القبيلة وهي يُعرف فضلها من شاعرها كما يُعرف من سلطانها وفرسانها، لأن الشاعر كان لسانها الذي يخلّد مآثرها ويصوغ صورتها في المخيال، وكانوا لا يهنئون إلّا بغلام يولد أو شاعر ينبغ أو خيل تنتج..

ثم تحدّر نسق الشعر إلى النثر تحدرًا منسابًا، لأن الأذن العربية تربّت على الإيقاع، فصارت تَستحسن الكلام إذا استقام له جرسٌ ونغمة، وتستثقل العبارة إذا انكسرت موسيقاها وإن صحّ معناها. ولذلك ترى الخطباء في الجاهلية ثم في صدر الإسلام يختارون الفواصل، ويُحكمون المقاطع، ويُقيمون الكلام على أنفاسٍ محسوبة، وكأن النثر عندهم يقتبس من الشعر كيف يُحسن الوقوف وكيف يُحسن الانحدار من معنى إلى معنى.. ثم جاء السجع في الرسائل والخطب دليلًا على أن النثر العربي لم يرضَ أن يقتصر على المعنى العاطل عن المعنى المضمّن في الأصوات.. 


وأشد ما يُبيّن رسوخ ثقافة الشعر أنك لا تجد أثرها في الأدب والفن فحسب، وإنما تجدها: في الأمثال، وفي المحاورات، وفي صيغ التهنئة والرثاء، وفي مفردات الحماسة والفخر، ثم تجدها اندمجت في متون العلوم وشروحها، حتى كأن المجتمع كله كان يعيش على نحوٍ من تقطيع الإيقاع وضربٍ من تنغيم الألحان، فيلتقط الواحدُ منهم العبارة المعزوفة، ويحفظها كما تُحفظ الأبيات، ويجعلها معيارًا للفطنة والظرف. وبسببٍ من هذا وغير هذا كانت ذاكرة العرب تحفظ القصائد المقصّدة الطوال والخطب المفصّلة المبسوطة قبل أزمنة التدوين ودون تدوين، لأن الشعر كان وسيلةً للحفظ كما هو وسيلة للتعبير..

 

إنّ التاريخ الذي أتمثّله لتاريخٌ طويل متشعّب في علوم العرب وفقههم وأيامهم وهو حديث طويل منسربٌ في الكلام والعقائد وفي الاجتماع والتدبير وفي علوم النفس والدماغ، وهو تاريخٌ طويل لا أدري كيف أنهيه إذا بدأته، لكنّي نظرت في كل ذلك ورأيت خصوصية الشعر عند العربي ثم نظرت في تواريخ الأمم فوجدت أنّ العرب أحفل الأمم بالشعر، وأنه يشيع فيهم كما تشيع الرواية والقصة والرقص وكما يشيع المسرح والنحت والرسم والسينما في غيرهم من الأمم، لا بل إنّ الشعر يشيع في العرب سمةً وعلمًا وصنعة كما تشيع عند غيرهم الصنائع من غير الآداب والفنون، ورأيتُ أننا نستدل بالشعر على العربي وبالعربي على الشعر كما نستدل على كل أمّة بخصيصة لصيقة بطبائعها وأخلاقها.. ومن أجل كل ذلك وغير ذلك: افترضتُ أنّ خصوصية الشعر عند العربي لابد أن تقول لنا شيئًا عن شعر العرب بالقياس إلى غيره من أشعار الأقوام الذين لا يحفلون بالشعر احتفال العربي..

 

قلتُ في هذا الجولان الخاطف الذي يريد أن يجعل للشعر العربي امتيازًا عن بعض الشعر أو كلّه: 

إن الإنسان كائنٌ لغويّ؛ وأرقّ وجوه شعوره وأشدّها تعقيدًا لا تستقر في النفس ولا تستقر النفس بها حتى تجد لها صورةً في اللغة تنفث قلقها. ولهذا كان الشعر أنفذ الوسائل لبواطن الشعور وألطف آلة لتصوير العلاقة بين الإنسان ولسانه؛ فإذا كانت اللغة في أمةٍ ما هي مستودع الذوق ووعاء الوجدان، كان الشعر أعظم موضعٍ تظهر فيه قوة هذه اللغة أو ضعفها. والعربية بما فيها من نظام الاشتقاق، وبما فيها من اتساع الألفاظ، وبما فيها من قوة على توليد المعاني مع ضبط الأنغام_ تفسح للشاعر أوسع الآفاق ليتطلّق في تصوير تجارب الشعور تصويرًا مكثفًا في الأبيات القلائل والكَلم المقتضب على ما يعجز عن مثله كثير من الشعراء في لغاتٍ أخرى إلا بعد كدّ القرائح وتجميع الشواهد في السطور الطوال.

 

كان الأستاذ عباس العقّاد يسّمي اللغة العربية: اللغة الشاعرة، وقد كتب كتابًا لطيفًا بارعًا بهذا العنوان ذهب فيه إلى أن العربية في أصل بنائها اللغوي والموسيقي قد انتظمت على نسقٍ يجعلها أقدر اللغات على توليد الإيقاع من داخلها لا من خارجها، وأنها فن منظوم منسق من الأوزان والأصوات وقد جعل العقاد اللغة العربية لغةً شاعرة من أيسر ألفاظها إلى أعقدها، فهي عنده لغة يسري فيها الشعر في حروفها وهي في مهد النطق والصوت قبل أن تأتلف في كلمة ثم يسري فيها الشعر إذا تركّبت بها الكلمة ثم يسري الشعر في الجملة المتركبة من الكلمات إلى أن تنتظم في الشطر والبيت والقصيدة، وإلى أن تنسلك في القطعة والفقرة والكلام..

 وليس المقصود من هذا الكلام ادعاء العصمة للعربية ولا حصرَ الشعر فيها، وإنما المقصود أن العربية تملك من طبيعة أصواتها ومن بنية الصرف وتشكيل الإعراب فيها ما يجعل الوزن جزءًا من طريقة نُطقها، ويجعل الإيقاع قابلًا لأن يُحمل على اللسان وحده من غير حاجة إلى آلةٍ خارجة عنه.

إن ميزة العربية في هذا الباب أنها بنت نظامها العروضي على "الوزن" القائم على حركةٍ وسكون، وخفةٍ وثقل، وطولٍ وقصر، وأنّ الوزن مشتمل على كلمات وأنّ العربية لغة شاعرة في كلماتها وحروفها، وهكذا تتآلف الكلمات والحروف في الشطر والشطر حتى يصير البيت العربي تركيبًا يَظهر فيه "القانون الموسيقي" كما يظهر المعنى، ويستطيع السامع وهو لا يرى ورقةً ولا يسمع لحنًا أن يميّز الخلل إذا اختلّت التفعيلة، كما يُميّز النشاز إذا اختلّ مقامٌ في الغناء..

هذه خاصيةٌ تتصل بطبيعة اللغة في ذاتها وفي أصل بنيتها، لأن العروض العربي قائمٌ على سماتٍ صوتية داخل اللفظ كما قلنا وهو عروض متقن قليل النظير والمقارب في لغات الشعوب، وإذا أردنا أن نقابل بين لغات بعينها على وجه العرض والمثال لا الاستيفاء، فإننا نجد أنّ الإنجليزية من اللغات الغربية تعتمد في جانب كبير من تقاليدها الموزونة على النبر وهو نظامٌ يوزّع الضغوط (stresses) في السطر توزيعًا يكاد يكون هو عماد الإيقاع؛ ولأجل ذلك اشتهر فيها البيت الخماسي ("اليَمْبي" - Iambic pentameter) الذي تُبنى وحدته على تعاقب مقطعٍ غير منبور ثم مقطعٍ منبور، وتُكرر هذه الوحدة خمس مرات في السطر، فينتهي البناء إلى إيقاعٍ تحكمه الضغوط قبل أن تحكمه العدّات، ولذلك ترى الوزن يظل قائمًا وإن تغيّر عدد المقاطع قليلًا في بعض السطور ما دام "هيكل النبر" محفوظًا، وترى الإيقاع نفسه يتبدّل بتبدّل النطق واللهجة وتبدّل ما يراه المتكلم موضع التشديد في الكلمة، حتى إن قراءة السطر الواحد في لسان إنجليزي أمريكي قد تختلف نبرًا عن قراءته في لسان إنجليزي بريطاني مع بقاء الكلمات على حالها، فينتقل الإيقاع انتقالًا محسوسًا مع انتقال العادة الصوتية، ومن المفيد هنا أن نشير إلى أنّ الوحدة الموسيقية في الشعر الإنجليزي التي تقابل التفعيلة في العروض العربي تسمّى: (القدم - feet) ونحنُ نحسب أنّ لها دلالةً موروثة من ارتباط الإيقاع في الشعر الإنجليزي بخطو الراقصين إذ كان الشعر عندهم يؤدى رقصًا، أي يؤدى بالاستعانة بشيء من خارج اللغة..  

ونجد كذلك أنّ الفرنسية تميل إلى نظمٍ مُقطّع (syllabic) يعتني بعدّ المقاطع ويجعل الجرس خفيف الارتباط بتفاوت الطول والقصر، وتُعَدّ "الألكسندرينية" أوضح مثال على نظام الفرنسيين، إذ هي تتألف من سطر فيه اثنتا عشرة مقطعًا في الغالب مع وقفةٍ وسطى تقسمه إلى شطرين، ويشتغل الشاعر الفرنسي في كثير من الأحوال على ضبط العدّ وضبط الوقفة والقافية.. 

ونجد من اللغات الشرقية كاليابانية أنّها تُقيم كثيرًا من إيقاعها على (المورا - mora) فتغدو الوحدة الزمنية أدق خصائص شعرها إذ المورا عندهم وحدة توقيت تُحسَب على نحوٍ يجعل طول الصوت وقصره وموقعه جزءًا من الإيقاع..

 

في هذه الأنظمة كلها تستطيع الترجمة أن تنقل الصور والمعاني، غير أن الموسيقى التي تتولد من صميم اللغة والموزّعة في كمينها، تخفت عند الانتقال عن اللغة إلى غيرها، لأن الإيقاع مبني على خصائص في الصوت لا تُستنسخ ولا تُنقل بكل مضامينها. وهذه القاعدة عامة في الشعر، لكنها في العربية أظهر لحاظًا لأن الوزن فيها يلتبس بمعنى الكلمة ذاتها وبالحركة والسكون.

واجتماع الكمّ العروضي مع التصريف والإعراب والحركات المنطوقة يُدخل موسيقى الشعر في صميم المعنى المراد، على نحوٍ أتم مما يؤدى بالتلوين الصوتي والوقف والتشديد الذي تشترك فيه بقية اللغات البشرية، بل وتشترك في صنف منه بعض العجماوات..

 

وبذلك نفهم دعوى الجاحظ حين كان يقول عن صعوبة الترجمة: 

"الشعر لا يُستطاع أن يترجم، ولا يجوز عليه النقل، ومتى حُوّل

انقطع نظمه، وبطل وزنه، وذهب حسنه، وسقط موضع التعجب منه".

كان الجاحظ لا يتكلم عن "استحالة" بمعنى أن المعنى لا يُنقل أبدًا، فإنّ فهم أصول المعاني حاصل بالنقل، ولكن ذلك الشيء الغامض المسبغ على الشعر، ذلك السر الدفين المشيج بالمعاني لا يتحصّل إدراكه بعد النقل لأن إداركه قبل النقل من أعسر المطالب.. 

وإنما كان سقوط موضع التعجّب من الشعر المترجم عند الجاحظ لأن موضع التعجّب في الشعر قائمٌ على اجتماع معاني الألفاظ بمعاني الأوزان، وللبروفيسور عبدالله الطيب كلامٌ نفيس عن معاني البحور في كتابه الفذ: "المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها"، وجملة ما كان يذهب إليه هو أنّ ثمة تناسبًا بين البحور والأغراض، فهناك بحور للجلالة والأبهة والوقار كالطويل والبسيط، فهي تناسب إذن أغراض الرصانة والهدوء والامتداد.. وثمة بحور للدندنة وثمة بحور لها حركة متصلة فهي من أجل ذلك أليق بأغراض التغني والتلهّي والرقص، وجعل بحورًا هي بين بين، فتتسع لأغراض الشجو والترنم كالكامل والسريع وقد أصاخ فيها إلى رنّة أسى لكنّه لم يبلغ بها إلى رسوخ البحور الجليلة.. 

وفي معرض حديثه عن البحور ومعانيها احتد شعور الطيب ورهف، فلمس شيئا ما في عبارةٍ أوردها أبو عبيد البكري في وصف اللامية "إن بالشعب الذي دون سلع" إذا قال فيها إنها: "نمط صعب" فاستعار الطيب هذه العبارة من البكري وجعلها عنوانًا لطائفة من البحور النادرة جعل في مقدمتها المديد، فاحتد شعور الشيخ محمود شاكر لاحتداد شعور البروفيسور عبدالله الطيب فاستعار منه عبارة البكري وجعلها عنوانًا لكتابٍ أقامه في قصيدة على بحر المديد هي نفس القصيدة التي وصف وزنها البكري بالنمط الصعب، وأوغل الشيخ إيغالًا بديعًا في نغم البحر وعلاقته بغرض القصيدة وأحوال الشاعر النفسية فيها عند أزمنة التغني وأزمنة الحدث. 

فإذا صحّ هذا الارتباط بين النغم والمعنى في الشعر من حيث هو شعر، صحّ في الشعر العربي على وجهٍ أخصّ وأولى لأنّ الشعر العربي مرتبط باللغة ولا غير اللغة.. هو مرتبط بالتفاعيل والحركات والسكنات، في حين أنّ غيره من الشعر الذي نعرفه معتمد على شيء من خارج اللغة أو أنّه أقل اعتمادًا على اللغة من اعتماد العربية عليها، فالشعر العربي يُؤدّى إلقاءً باللغة فحسب، في حين أن كثيرًا من شعر الشعوب يُستعان في تأديته بالتمثيل أو الغناء أو الرقص، ومن أجل ذلك كان الشعر العربي عصيٌّ على الترجمة كما يقول الجاحظ.. وكل شعر كذلك، ولكن الشعر العربي أشد استعصاء لأنه باللغة أوثق اتصالًا..

 

 

 

 

 

 

 

 

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...