شُغلتُ بالجاحظ لأني شُغلت بالبيان..
وبين الشغلين وشائج لطيفة كلما ظننت أني أفصل بعضها عن بعض رجعت بي القراءة إلى موضع الاتصال الأول، فإذا الجاحظ بابٌ من أبواب البيان، وإذا البيان مفتاحٌ من مفاتيح الجاحظ، وإذا الرجل كأنه صورة تامة لما تجود به العربية حين يجتمع لها العقل المتوثّب، والطبع المتفلّت، والعين المرسلة في الدنيا والناس..
ولأدبائنا وعلمائنا الفائتين فضلٌ علينا من جهة فواتهم!
فلمّا فات لقاؤهم وغاب عنّا تفحّص الأفذاذ منهم عن كثب، ولمّا فاتنا أن نراهم كيف يفعلون حين يتحدثون وكيف تخرج أصواتهم حين يتكلّمون وكيف تترسم الانفعالات على صفحات وجوههم وكيف هي شمائلهم وأطباعهم وخلجات نفوسهم وأقدارهم_أقول لما فاتنا كل ذلك حدا بنا هذا الفوات إلى أن نوجّه قوة التفحّص كاملة موفورة فيما كتبوا كي نقرأ في سطورهم ما كان ينبغي لنا أن نطلبه في مجالسهم، وهكذا صارت الأساليب صورةً باقيةً من أمزجة الرجال وطرائقهم في العيش بعد العيش..
وكان أول ما شغلني من أمر الجاحظ هو سرُّ الخلود فيه، أعني الشيء الذي استحق به هذا الرجل أن تبقى حرارة روحه على تطاول الدهر..
والخلود في الأدب سرّ مركّب، تجتمع فيه أسباب من خارج الكاتب بأسباب من داخله.. والأسباب في الخارج تهيئها الأقدار وتجتمع فيها الموهبة بالمكان المناسب ويُتاح لها زمنٌ يطلبها ويحتاج إليها..
غير أن هذه الأسباب الخارجة -على خطرها وجلال أثرها- لا تخلق العبقرية من عدم، ولا تمنح الخلود لمن لم يحمل في نفسه مادة الخلود..
والعبقري يعمل في أسباب الداخل وفي إمكان الموهبة، فإذا جاءته الأسباب الخارجة تلقّاها بقوةٍ مُعَدَّة مُستعِدّة، وإذا هي تأخرت عنه طوّع بعضها لموهبته..
ومن سر الخلود، قادني التأمل في خلود الجاحظ إلى التأمل في مفاتيح بيانه؛ فوجدتُ أن لبيانه أبوابًا كثيرة نستطيع أن نذكر منها: توقّد العقل، وطرافة السخرية، وحضور الحس، ونهمة الاطّلاع، وطول النفَس في الحجاج والجدال وكل ذلك صحيح، غير أن هذه الأبواب يفتحها الجاحظ بمفتاح واحد، وهذا المفتاح فيما نرى هو: سعة النفس.
وسعة النفس هي التي أولته كما نرى: رشاقة التعبير.
يقول الجاحظ في رسائله: «وجميع الخير راجعٌ إلى سعة الصدر. فقد صحّ الآن أن سعة الصدر أصل، وما سوى ذلك من أصناف الخير فرع».
وسعة الصدر: سماحتُه وسلامتُه، وأريحيّته عند تبدّل الظروف ومقدرتُه على العفو والمجاوزة، وبُعدُ همّتهِ وقوّةُ احتمالهِ، واعتزامُه على النهوض بعد كل سقوط وعلى البداية بعد كل فشل.. وكل ذلك كما قلنا يفعل في اللسان وينفعل به..
علّق مرةً الشيخ محمد أبو موسى على جملة شاعرة أتى بها الشيخ عبدالقاهر الجرجاني، فقال: «تأكّد أنّ الغنائيةَ في اللغة هي غنائيّةٌ في النفس» وإذا أردتُ أن أستعير من الشيخ أبي موسى كلمته بشيء من التصرّف فإنّي أقول: إنّ سعة البيان تدل على سعة النفس..
كان الجاحظ ابن عصر يموج بالآراء والجدال والفرق والمذاهب.. ولد في خلافة المهدي وتوفي في خلافة المستهدي، وبينهما: عشرٌ من الخلفاء، وبينهما دولة ودولة، فقد شهد دولة الفرس العبّاسية ثم شهد غلبة الترك عليها..
وعمّر الجاحظ زهاء قرن عاش فيه عزبًا غير مشغولٍ بولد، فاجترأ على ما يتهيّبه المعيلين..
كان الجاحظ في أول أمره يبيع الخبز والسمك بسيحان، ثم دخل القصور واغتنى، وطوّف بالمدن والبلدان، فسمع ورأى..
غير أن هذا العصر المضطرب لم يكن خليقًا بأن يستقل بطباعة الجاحظ على طبعه الذي عرفناه، فقد عاش في زمان الجاحظ خلق كثير، وسمعوا ما سمع، وشهدوا ما شهد، ثم ذهبوا وهم لا يسعهم أن يكونوا شاهدين على عصرهم، ووسع الجاحظَ أن يكون شاهدًا عليه، وهذه ميزة العبقرية إذ هي في بعض جوانبها صورة صادقة تلخّص عصرها، وليس يُحسن تلخيص العصر إلّا من توفّر على سعةٍ يستقبل بها آراءه واتجاهاته..
وكان في عقل الجاحظ مرح وهذا المرح شيء غير خفة السفهاء، فهو مرح النفس الفرحة بالتجربة والاختبار، ولهذا كان التعجّب عنده وسيلة من وسائل المعرفة، والذي يقرأ كتاب الحيوان يجد صورة الجاحظ فيهِ صورة العلماء من أصحاب التجريب في المعامل والمختبرات..
ومن سمات العبقرية: الاستعصاء..
ونعني بالاستعصاء صعوبة المحاكاة والتقليد، فالعبقري يجري في ميدانٍ صعب، والعبقري يشق طريقه إلى غاية ينبعث إليها بالطبع وتخفى عن غيره، وقد تغمض على العبقري كذلك في بعض وسائلها، فالجري في مضمار العبقرية مرهق إلّا بعد طول التعبيد والتذليل، وهو فعل السنين.
قالوا بدأت الكتابة بعبدالحميد وانتهت بابن العميد، وهذا اعترافٌ بفضل أبي الفضل ابن العميد في الكتابة، وقالوا إنما نال ابن العميد هذا الفضل لأنّه كان يترسّم طريقة الجاحظ في البيان ويتأثرها ويحاولها، ولكنّ العبقريّة مركب وعر ومطلب فضّاح، وقد ركبه ابن العميد إلى أن قال فيه أبو حيّان التوحيدي إنّه «وقع بعيدًا من الجاحظ قريبًا من نفسه»
يقول أبو حيّان بعد ذلك:
«ألا يعلم أبو الفضل أن مذهب الجاحظ مدبّر بأشياء لا تلتقي عند كل إنسان ولا تجتمع في صدر كل أحد: بالطبع والمنشأ، والعلم والأصول، والعادة والعمر، والفراغ والعشق، والمنافسة والبلوغ. وهذه مفاتح قلما يملكها واحد، وسواها مغالق قلما ينفك منها واحد».
فاستمع إلى أبي حيّان كيف أشار إلى سعة صدر الجاحظ وهو يذكر عشر أحوال يقول فيها إنها: "لا تلتقي عند كل إنسان ولا تجتمع في صدر كل أحد"
وسمة أخرى نعرف بها عبقرية الجاحظ، هي معائبه..
قالت العرب: كل ذي عاهة جبّار..
وهم يعنون بذلك أنّ كل من يُحس نقصًا في مكانٍ من نفسه، فهو في الغالب يطلب ستره والتعويض عنه بالإصرار وقوّة الإرادة..
وما نريد أن نتعمّق تعمّق المفتشين عن العُقَد الدائرين عليها من أصحاب مذاهب التحليل النفسي، ولم يكن الجاحظ معتوهًا ولا كان مأزومًا بعاهةٍ يُطيل لحاظها في نفسه ويحنق لأجلها على السالمين منها، ولكننا مع ذلك نجد في شخصيته شيء من التعويض العظيم..
كان الرجل قبيح الصورة فقالوا في وصفه إنّه كان قصيرًا دميمًا. وسمّي الحدقي والجاحظ لجحوظ عينيه أي بروزهما، ثمّ إننا نراه وقد عوّض عن هذا القبح بمجامع الجمال في العبارة والأسلوب، وكأنّه أراد أن ينفق عند الناس بشيء من الاستحسان إذ لم ينفق بلطافة الطلعة والمظهر، وكأن الجسد الذي لم يُعطَ حظًا من الجمال عوّضه عقلٌ وبيانٌ يملكان من الجمال ما لا تملكه الوجوه والأجساد، وكأنّه في جحوظه وبروز عينيه قد صار في الأدب عينًا بارزة على العالم لا تكتفي بأن ترى ما يراه الناس..
وقد يكون أعظم ما في العبقري أنه يستوعب تضييق الناس ويشمل ازدراءهم وأنّه يحوّل بوجه من الوجوه معائبَه التي يحتقرها الناس إلى أداة من أدواته الكبرى التي تجلب إليه إعجابَهم.. وفي هذه السمة يظهر مفتاح العبقرية الذي هو سعة النفس، فلما كانت نفس الجاحظ واسعة لم يرتهن لنقيصةٍ لا يملك رفعها، ولم يستأسر لعيب لا ينفك عنه ولم ينشغل بلحاظ العيوب انشغال المتأزمين الذين لا يلحظون اندياح الآفاق الوسيعة..
***
قلنا إنّ سعة النفس أولت الجاحظ رشاقةً في التعبير، وهذا أوان التعرّض للغامض الخفي في بيانه..
كان الجاحظ رشيقًا في فكره قبل أن يكون رشيقًا في لفظه؛ فهو يقلّب المسألة على جهاتها، ويعرف كيف يدخل إلى الفكرة ومن أين يخرج منها.. وكانت عبارته لذلك تتحرك حركة الجسم الصحيح، لا يثقلها العلم إذا علت، ولا يبتذلها القرب إذا هي دنت.
وكنتُ إذا قرأت لبعض الكُتّاب أحسستُ أن في أساليبهم عضلةً واحدةً قد اشتدّت حتّى عطّلت باشتدادها سائر الجسد فلا يكاد يتحرّك إلّا وأنت سامعٌ طقطقةَ المفاصل واحتكاك العظم بالعظم؛ فهم من أجل ذلك يقدرون على التصلّب ولا يقدرون على التثنّي، ولا يجيدون إلّا الصياح حيث ينبغي الهمس..
والنظر في الأسلوب واللسان نظرٌ في الإنسان نفسه؛ لأن اللسان لا ينفصل عن صاحبه بوجه من الوجوه فهو سائقُه في دروب الخير ودروب الشر والمرء بأصغريه قلبِه ولسانِه كما تقول العرب في أمثالها الموروثة..
والنظر في اللسان نظرٌ في الإنسان لأنّ اللسان دليلٌ ظاهر على ما تخفيه الطبائع والنفوس، فضيق العبارة دليل على ضيقٍ في موضعٍ من النفس، وإن اتّسعت العبارة دلت على رحابةٍ في النظر، وعلى قدرةٍ في حُسن التقدير.. يقول أنانول فرانس في ذلك كلمةً صادقة إذ يقول:
«الأسلوب هو الرجل نفسه»
إن أجمل الأساليب أقدرها، وأقدر الأساليب أوفاها بطرائق البيان وأغراض الحياة على اختلاف درجاتها.. وهذا هو الذي يسميه النقاد الأوائل "رشاقة الأسلوب" والقرّاء المحدثون يظنّون أن هذا الوصف يُذكر تكثّرًا عند نقادنا الأوائل تمامًا مثل ما يظنّون التكثّر في عبارات من مثل: صحة النسج وجودة السبك وكثرة الماء وطلاوة النظم وغيرها من الأوصاف التي تترادف على ألسنة النقّاد..
ونقادنا حين يقولون "رشاقة الأسلوب" يقصدون خفّته وحسن تفلّته، ويقصدون انسيابه في التعبير وقدرته على التنقّل في الإبانة عن صنوف الأغراض المتنوعة، وقد أحسنوا في اختيار الرشاقة اسمًا على هذا السلوك لأنّ الرشاقة ضرب من الحرية..
والجمال يكون حيث تكون الحرية..
لأن الحرية تفسح للمتصف بها أوسع الممكنات، فالشعب الحر هو الشعب الرشيق المتطلّق في ميادين الحياة وهو الشعب عينه الذي يبدع بأقصى ممكناته. والجسم الحر هو الجسم الرشيق الذي لا تتقيّد حركة أعضائه بالثقل والسمنة، ولذا كانت حركة الأجسام الرشيقة أجمل في النظر من حركة الأجسام المُثقلة..
وكذا، فالبيان الحر هو البيان الذي تُعجبك حركته المتطلّقة في الفنون.. وكما أن الأجسام التي يشوّهها الثقل تُدخل في طباع أصحابها بعض لوازم الثقل وتَحجمهم عن مقتضيات اللياقة في الجسم والذوق؛ فإنّ الألسنة الثقيلة تحمل أصحابها على الخطأ لأن أصحابها لا يعرفون التفكير في خارج النطاق الذي تتحرك فيه ألسنتهم الثقيلة..
وأحسبُ أنّ هذه الملاحظة تفتح لنا بابًا واسعًا في نقد الأساليب؛ فإن الكاتب قد يكون واسع الحفظ، ظاهر التمكّن، كثير المحصول من غريب الألفاظ وجزل التراكيب، ثم يكون مع ذلك ضيّق التصرف، قليل الاحتيال للمعاني، كأنّ لغته قصرٌ فخم له باب واحد، يدخل منه صاحبه إلى مجلس واحد، فإذا أراد غيره من غُرفات الراحة والنوم لم يجدها، فماذا تُجديه بعدُ فخامة القصور؟
ومن ذلك ما نجده من أن بعض الفضلاء يكون لسانه لسان الأدباء الغارفين من أعالي اللغة، ولكنه مع ذلك لا يبين إلّا في المبالغة، فهو يعلو في التهويل ويسفل في القصد والاعتدال.. فتراه من أجل ذلك يجنح لمجاوزة الحد في المعاني ويجنح لتفخيم الألفاظ في كل غرض مخافة أن يَبين قصوره إذا تكلم بمقتضى الحق والإصابة، فيتطبّع بذلك ليكون عذب الحديث ولكن على المغالاة والإسراف، حتّى إذا أعرب عن يسائر الأمور أعرب عنها مندفعًا حميمًا..
وهذا الأسلوب الجامد يحمل القارئ على الإحساس بأن الكاتب لا يعرف مقادير الأشياء. وهذا صحيح في كثير من الظنون، والكاتب الذي لا يعرف مقادير الأشياء يفسد حكمه على الحياة، لأن ظروف الحياة قائمة على درجات، ولابدّ للبيان من أن يضع كل درجة في موضعها الذي يليق.. وأنا أتمثّل في هذا مثالًا من فيزياء المواد وهو أنّ المادة المرنةَ القوام أصحُّ دلالةً على مقاييس الوعاء الذي يحويها من المادة الجامدة المتصلِّبة إذ إن المادة الصلبة لا تمتد حوافها إلى حواف الوعاء، فلا تتيح له الاستدارة عليها كي يُقاس بقياسها، وهكذا هو الأسلوب المرن فهو أصح دلالةً على مواقف الحياة المتكاثرة من الأساليب المُفْرغة على قالبٍ واحد لا يقبل التشكيل والامتداد..
وقد رأى القدماء هذا المعنى حين قالوا: «لكل مقام مقال» وهذه الكلمة -على وجازتها- ميزان صادق في البلاغة وفي الأخلاق؛ لأن صاحب العبارة الواحدة قد يُصبح صاحب مقام واحد، وأمّا صاحب العبارة الواسعة فهو الذي يملك لكل مقام نصيبه من القول، من غير أن يبدّل روحه ومن غير أن يخلع شخصيته.
إن بعض الأساليب مطبوعةٌ على تناول المواضيع الجادة، فلو تعرضّت لتدابير المعاش اليومي وملابسات الحياة المتكررة لخرجت مخرج الطُرف ولاستحقّت شيئًا من السخرية والضحك لأن من دواعي الضحك: التعجب، والتعجب هو وقع المفاجأة على غير توقّع، ولذلك كانت الناس تضحك من المهرّجين وممثلي المسرح إذا انتقلوا من اللغة العامية إلى اللغة الفصيحة وهم مع ذلك لا يضحكون من الممثل في الأعمال التاريخية لأن العجب فيها باطل بالاستعداد والتهيئة..
ومن أجل ذلك كانت أمثل الأساليب هي الأساليب التي لا يستعصي عليها التعبير عن معالي الأمور ونوازلها..
ومن هذا أتانا أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ شاهدًا لا يكاد يضارعه شاهد في تراثنا العربي؛ فإنك لا تكاد تعرف في كتّاب العربية القدماء رجلًا وسعته قضايا العقل، ووسعته أحاديث السوق، ووسعه جدل المتكلمين، ووسعته نوادر البخلاء، ووسعته مجالس الملوك ووسعته عوائد الدواب والطير والحشرات، كما وسع كلُ ذلك الجاحظَ.
إننا لنجد في أسلوب الجاحظ كيف يكون الكاتب رشيقًا في الجدل العالي ثم يكون رشيقًا كذلك في المعاش اليومي وكيف يكون قادرًا على أن يُرضي خاصة الخاصة من أهل النظر ثم هو لا يضيّق المداخل في درب القارئ البسيط..
كان الجاحظ صاحب مذهب في الكتابة وصاحب أسلوب يملك به أن يغيّر مأخذ كلامه بحسب موضع الكلام، ويبقى مع ذلك هو هو الجاحظ..
يفتح الجاحظ لقارئه مسألةً من دقائق النظر في العدل والقدرة والطبع والاختيار، ثم لا تلبث أن تراه ينزل بك إلى البقّالين ودكاكين الورّاقين، أو إلى أحوال الناس في الشوارع، أو إلى طبائع البخلاء في مجالسهم..
هذا الانتقال هو معنى "رشاقة الأسلوب" في أصفى مثالٍ.
خذ الجاحظ في "البيان والتبيين" تجده يتحدّث عن البيان كأنه يتحدّث عن قوة من قوى الإنسان الكبرى التي ينبغي أن تُحشد لها عُدّتها التي تعطيها نصيبها من الوصف، فتراه يُقارب تمثّل الخطابة، فيميّز بين اللفظ والمعنى، ويعرض لأحوال البلغاء والخطباء، ثم خذه في "البخلاء" فإذا أنت أمام كاتبٍ يفتح لك دارًا ضيّقةً رثّة، ويُجلسك مع رجلٍ يُحاسب أهل بيته في مكرُمة أو يخاصم ضيفه في لقمة، أو يتخذ من الاقتصاد مذهبًا في الوجود. وبين الموضعين مسافة شاسعة في الموضوع، ومسافة يسيرة في الروح.. وخذ الجاحظ في "الحيوان" تجده قد اشتمل على كل ذلك في مصنّف واحد..
ولهذا كان أسلوب الجاحظ صورةً من نفسه؛ فهو طويل النفس، كثير الانعطاف، مولعٌ بالاستطراد، والاستطراد عند الجاحظ يشبه سير الرجل الذي يعرف المدينة وشوارعها ومحلّاتها تمام العرفان، فإذا استهديته في غايةٍ فيها وأراد أن يبلغ بك غايتك: مرّ بك في طريقه على دكانٍ هنا ومجلسٍ هناك ومتنزّه ثمّة، حتّى يبلغ بك الغاية وأنت أغنى بالطريق عن الغاية وأسعد بالرحلة من البلوغ.
هكذا استحقّ الجاحظ الخلود، فقد زالت أغراضه وزالت المذاهب التي جادل فيها ونافح عنها وقابل بينها، وكان صاحب فرقة في الاعتزال تُنسب إليه، فليست تُعرف اليوم طريقته، وقد تغيرت البصرة وبغداد وبادت المدائن والدول، ومع ذلك بقيت عبقريّة الجاحظ من ذلك العصر لأنها قد بقيت للقارئ منهاجًا في استقبال الحياة بعقلٍ واسع وبيانٍ رحب..
تعليقات
إرسال تعليق