المسخ أو الامّساخ أو التحوّل، هي ترجمات منشورة لعنوان رواية فرانز كافكا (Die Verwandlung)، ونحنُ نُعجب بالعنوانين الأولين لأنّ فيهما معنًى زائدًا على مجرّد التحوّل إذ التحوّل تغيّرٌ إلى ناحية لا يلزم منها أن تكون سيئةً، وأما المسخ والامّساخ فيدلّان على تحوّلٍ فيه معنى التشوّه، وهذا ما يستوفي الدلالة على محتوى الرواية وهو ما لا نستفيده من معنى "التحوّل"، على أنّ من المحتمل أن يكون الكاتب قد قصد ضربًا من الإبهام من استعمال التحوّل وهو ألّا يحكم على شيءٍ من أحداث الرواية.. وفي العنونة بـ "المسخ" دلالة على ما انتهى إليه أمر التحوّل، وفي "الامّساخ" لحاظٌ للفعل والحركة المتدرجة، ونحنُ نختار "المسخ" للأننا قرأناها مرتين بالعنوان ذاته، فقد قرأناها أولًا بترجمة محمد أبو رحمة ثم اعتمدنا ترجمة منير البعلبكي وهي أسبق من الأولى وأجود، ونختار عنوان المسخ قبل ذلك لأنّ الرواية بدأت بالمسخ وجعلت القارئ يفكّر في كيف كان الامّساخ ولم تصرّح بأسبابه ولا حكت بالمباشرة كيف كان ذلك.. فالمسخ إذن رواية قصيرة أو قصّة طويلة، نُشرت في عام 1915 ولعلّها أشهر ما كتب كاتبها....
شُغلتُ بالجاحظ لأني شُغلت بالبيان.. وبين الشغلين وشائج لطيفة كلما ظننت أني أفصل بعضها عن بعض رجعت بي القراءة إلى موضع الاتصال الأول، فإذا الجاحظ بابٌ من أبواب البيان، وإذا البيان مفتاحٌ من مفاتيح الجاحظ، وإذا الرجل كأنه صورة تامة لما تجود به العربية حين يجتمع لها العقل المتوثّب، والطبع المتفلّت، والعين المرسلة في الدنيا والناس.. ولأدبائنا وعلمائنا الفائتين فضلٌ علينا من جهة فواتهم! فلمّا فات لقاؤهم وغاب عنّا تفحّص الأفذاذ منهم عن كثب، ولمّا فاتنا أن نراهم كيف يفعلون حين يتحدثون وكيف تخرج أصواتهم حين يتكلّمون وكيف تترسم الانفعالات على صفحات وجوههم وكيف هي شمائلهم وأطباعهم وخلجات نفوسهم وأقدارهم_أقول لما فاتنا كل ذلك حدا بنا هذا الفوات إلى أن نوجّه قوة التفحّص كاملة موفورة فيما كتبوا كي نقرأ في سطورهم ما كان ينبغي لنا أن نطلبه في مجالسهم، وهكذا صارت الأساليب صورةً باقيةً من أمزجة الرجال وطرائقهم في العيش بعد العيش.. وكان أول ما شغلني من أمر الجاحظ هو سرُّ الخلود فيه، أعني الشيء الذي استحق به هذا الرجل أن تبقى حرارة روحه على تطاول الدهر.. والخلود في الأدب سرّ...