أتحدّث اليوم عن موضوعٍ من مواضيع الحياة السياسية، والسياسة أبغض ما تكون إليّ في هذه الأيّام التي فشا فيها التنميط والتصنيف على نحوٍ لم يكن مسبوقًا من قبل، وما أحسب أن التنميط والتصنيف كانا ليتفشيا لولا أنّ المواضيع السياسيّة أصبحت كلأً مُستباحًا يستوي في استباحته كل الناس بذات القدر، مهما تطلبت موضوعاتها قدرًا من التخصص والدراية . والعقول التي لا تفهم إلّا بالتنميط والتصنيف هي عقولٌ قاصرةٌ عن الإدراك قصورها عن الانتفاع بما تُدرك. فالذي يتطلّب التصنيف المختزل في كل شيء قبل أن يباشر بنفسه ملابسات الأحكام، هو في حقيقة الحال يبحث عن الركون والاطمئنان، لا عن التحقيق والتحليل. وما أبعد هذه العقول عن "جلب المصالح ودرء المفاسد" وما أبعدها عن السياسة النافعة الحكيمة. وقس على ذلك هذه المصطلحات الشائعة و"التهم المعلّبة" كما يقولون في الحياة السياسيّة . ومهما يكن من أمر هذه التهم، فإنّه لا ينبغي للمرء أن يجزع منها، ولا أن يبلغ به الاتقاء حدًا يرغمه على أن يُداهن في موضع الفصل أو أن يغمغم في مواطن الإفصاح . ولا أريدُ أن نطيل في أمر هذه المقدمة، لأنّها معلومة في كل عصر، وهي...