التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من أبريل, 2020

كورونا مُميِّزًا

حلّت الجائحة وهي -بلا ريب- جُند من جنود الله ولا يعلم جنوده إلّا هو. وهي آيةٌ من آياته لا يعتبر بها إلّا من كان له عقلٌ موُمن أو قلبٌ عقول. حلّت الجائحة لحكمةٍ ربّانية لا نُحيط بها علمًا ولا نقيسها بمختبرٍ ولا معمل ولا نُدرك منها إلّا ما يريد -جلّ وعلا- أن ندرك.   فبين جازمٍ أنها عقاب وبين منكرٍ لا يرى من الأمر إلّا جانبًا له من الطبيعة سبب محض؛ تسري أقدار الله على العباد لا رادّ لقضائه ولا مانع لقراره فتؤثر في كل شيء في هذا العالم المترابط لحكمةٍ هي أوسع من أن تحاط فيدبّر العالم ويغيّر الأحوال ويقلب الأوضاع ويرسل بالآيات تخويفًا وترغيبا. وفي الحين الذي يرى فيه الماديّون -بعين تختزل الكون والتاريخ- أن الجائحة حدثٌ لا بُعد ولا حقيقة لها خارج نواميس الطبيعية ولا تفسير لها إلّا في حدودها، وحينما يرى الروحانيّون المغالون ممن فسدت عقائدهم أو السذّج ممن لا فضل في أقوالهم للعقل أن الجائحة إن هي إلّا مرض حلّ ولا فضل للعمل بالأسباب في الاحتراز منها. وفي هذا الحين وبين كل هذه الأفكار المتلاطمة، هناك رؤية وسطيّة معتدلة أخذت الحق أخذًا وكانت أحق به ففي الرؤية المتكاملة تكمن الحقيقة ول...

فصول جامعية | نظرة في العلاقات (4)

النموذج الثالث: حسن العطّار تختلف طبيعة علاقاتنا بالنّاس كما تختلف مدّة المعرفة أو الاتصال بهم وعمق أثر هذه العلاقات على ذواتنا، وكل ذلك له أثرٌ على فهمنا لها وعلى دقّة الوقوف على مكنوناتها ومؤثراتها. والطبعي المعروف أن اتساع التجارب منوطٌ بالمدّة وقرب الاتصال، فبقدر ازدياد التجارب أو المدّة تزداد المعرفةُ عمقًا، وللشخصيات من حيث وضوحها وغموضها دورٌ في تعميق المعرفة بها.   وهناك جانبٌ يُغض عنه الطرفُ دائمًا رغم أهميّته وهو التوقيت الزماني لهذه العلاقة، فقد يطول ارتباطك أحيانًا وتتكشّف لك جوانب كثيره من هذه العلاقة ويوافق ذلك فترةً عمريّة لم تكن فيها ناضجًا،  ولم تكتمل لديك الخبرة التفسيّريّة ولا المعرفة التحليليّة. وقد تقل مدّة ارتباطك بشخصٍ ما ولكنّك تسبر علاقتك معه وتفهمه على نحوٍ لم يكن ليتأتى لك فهمه إلّا بعد زمن، فكأنما أنت في معرفتك به قضيت معه السنين الطوال وما هذا إلّا لأن اتصالك بالشخص وافق وقتًا وصلت فيه إلى النضج أو قاربته.. ومعرفتي بالدكتور حسن هي من هذا القبيل، ثم إنّي عندما كنتُ طالبًا لم أكن -في الغالب- حريصًا على معرفة المعلّم إلّا من حيث كونه...

فصول جامعية | نظرة في العلاقات (3)

النموذج الثاني: مأمون جناجرة. في كل عصرٍ ومصر وفي كل مرحلةٍ من مراحل التاريخ منذ نشأته الأولى حتّى اليوم وإلى أن يرث الله الأرض وما عليها فإنه لابدّ وأن توجد شخصياتٍ يكون الناسُ في تصنيفها أقطابًا متنافرين فتسمع عن الشخص الواحد الوصف ونقيضه، والسمةُ وضدّها، فيكثر الجدل فيهم. وهذا عائدٌ على طبيعة هذه الشخصيّة من حيث تأرجحها بين الحق والباطل أو قد يكون عائدًا على المصنّفين وقرب مقياسهم للخير والحق وبعده عنهما، فإذا اتفقت المقاييس قل الجدل وإذا اختلفت كثُر .. أمّا في فصول الدراسة فإن الطلاب غالبًا يتفقون في تصنيفهم وتتوحّد مشاعر الحب والبغض لديهم لأنهم غالبًا يقيسون بمقياس الدرجات لا غير، وهم على ذاك لا يحبّون العادل حبّهم للمتساهل. أما الدكتور مأمون جناجرة فإنه كان من الشخصيات الجدليّة وكنت من صفّ محبّيه في حين كان الأغلب من شانئيه، والبون بيننا أبعد ما يكون وعجبت لذلك، فقد كان هؤلاء يحبّونه كأشد ما يُحب تلميذٌ أستاذه وكان أولئك يكرهونه كأشد ما يكره تلميذٌ أستاذه. وقد علمت منه ما لم يعلمه المحبّون، لكنّي هنا لا أريد أن أنتصر لرأيٍ ولا أن أغلب صفةً من صفاته على أخرى، ولا ...