التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من يونيو, 2026

عقدة العقد

الطب النفسي والحرب على السواء..    الأسماء فتنة والتسمية سلطان.. وكثير من المشاعر والأحكام لا يشتد لحاظها ولا يستوفز الذهن للقضاء فيها إلّا بعد أن تُسمّى..  ويُخيّل لي لو أن رجلًا ملك أن يُسمّي الأشياء بما شاء من الأسماء، ثم ملك مع ذلك أن يحمل الناس على تصديق تسميته، لكان قد ملك من أمر النفوس ما هو أخطر من سلطان الملوك على الأبدان؛ فالسلطان على الأبدان مهما بلغ من الإكراه فإنّه لا ينفذ إلى    القلوب وخوافي الصدور، أما السلطان على الأسماء فيدخل إلى مَكْمَن الحكم في مستكن الضمير، فيضع للخير والشرّ حدودًا غير حدودهما المقررة، ويُنزل الفضيلة حيث كانت الرذيلة، ويرفع المذموم إلى حيث كان المحمود، والناس لا يحسّون أنهم بَدّلوا وغيّروا، لأن الذي بُدّل إنما هو المقياس الخفيّ الذي يقيسون به لا الأشياء التي يقيسونها. وهذه حيلةٌ قديمةٌ في الناس، عرفها أصحاب الدعوات ورجال السياسة، ثم وَرِثَها في عصرنا صنفٌ جديد يتحدّث بلسان العلم ويحتجب وراء اصطلاحه.  هم أصحاب الطبّ النفسيّ على ما شاع وذاع..   والذي أراه أن أصحاب الطبّ النفسيّ في مناهجه الوافدة قد أصابهم في نظرهم إل...

ما تقوله الهزيمة في كرة القدم

  لعب المنتخب السعودي مع أسبانيا، وسحقته أسبانيا بأربعة أهداف، ولم يشغل مرمى أسبانيا هدفٌ واحد ولا شغلته هجمة مذكورة، وليست هذه النتيجة بجديدةٍ على المنتخب في البطولات العالمية ولا في البطولات الإقليمية، ولا هي بالجديدة على غيره من المنتخبات، فقد تُهزم المنتخبات الكبرى بأكبر من هذه النتيجة، والبرازيل متسيّدة العالم في رياضة كرة القدم سُحقت بسباعيةٍ من ألمانيا في عام 2014 وهي تلعب على أراضيها وبين جماهيرها، وسُحقت أسبانيا من هولندا في البطولة نفسها بخمسة أهدافٍ بعد أن تقدّمت عليها بهدف، وقائمة المسحوقين تطول لو أردنا الحصر والتعداد.. ولكنّ الغريب الذي نلحظه في مباراة المنتخب مع أسبانيا هو الخوف والرهبة، فقد تنهزم المنتخبات بالنتائج الكبرى ويبقى لاعبوها ثابتين، وقد تنهزم المنتخبات لفشل الخطة وضياع التركيز وقلة التجانس وسوء المهارة وضعف التدريب والخبرة، وكل هذا مقبولٌ يُحتمل؛ ولكنّ المنتخب لم ينهزم لواحدٍ من هذه الأسباب، فالذي هزمه هو خوفه ورعبه. والخوف معطّلٌ للقوى مشتّتٌ للقُدَر مضيّعٌ للمهارة، يأخذ من المرء ملكاته التي يملكها في أمنه فلا يُبقي له منها شيئًا في فزعه، حتى ترى اللاعب ...

قرية المواعيد

كانت الأوراق العالقة بين أغصان الزيتون تُشبه أن تكون بقايا من رواية طويلة أو لعلّها تشبه أن تكون فصولًا من كتاب ضاع عنوانه وضاع بعضه، أو قصةً من جملة قصصٍ كانت مجموعةً في غلاف، أو لعلّها طرفًا من مذكّرات تفرقت هنا وهناك..  ولم تكن تلك الأوراق كثيرة، غير أن القليل منها كان يكفي ليُشعر قارئها أنه عثر بحياة كاملة ممزقة، حياة لم تستطع أن تتم في صاحبها، فحاولت أن تتم في العبارة.. وفي كل ورقة منها أثر يدٍ متعجّلة، أو قلبٍ يريد أن يقول شيئًا قبل أن… قبل ماذا؟ لا أدري ولعلّ كاتبها لا يدري كذلك..  كُتب في بعض هذه الأوراق:  {عين الحكاية تنفتح على السهل انفتاح الفجر على المروج، فتمر بحصى الرمل المتناثر على أديم الأرض، وتمر بجدولٍ هزيل ضامر يشبه وخط الشيب أول ظهوره في عارض الشاب الفتي، ثم ترتفع إلى حقول القمح وهي تنحني للريح مع كل عصفٍ من عصفها وكل نسيم من نسيمها، تنحني للريح ولا تنكسر له. ثم تمتد النظرة وتنسحب حتى تبلغ الجبال الرمادية في أقصى المشهد، وهي قائمة في سكون الشهود الذين رأوا كل شيء وعجزوا عن أداء الشهادة ورواية التاريخ..  وبين السهل وتلك الجبال كانت القرية التي سماها...

المسخ

  المسخ أو الامّساخ أو التحوّل، هي ترجمات منشورة لعنوان رواية فرانز كافكا (Die Verwandlung)، ونحنُ نُعجب بالعنوانين الأولين لأنّ فيهما معنًى زائدًا على مجرّد التحوّل إذ التحوّل تغيّرٌ إلى ناحية لا يلزم منها أن تكون سيئةً، وأما المسخ والامّساخ فيدلّان على تحوّلٍ فيه معنى التشوّه، وهذا ما يستوفي الدلالة على محتوى الرواية وهو ما لا نستفيده من معنى "التحوّل"، على أنّ من المحتمل أن يكون الكاتب قد قصد ضربًا من الإبهام من استعمال التحوّل وهو ألّا يحكم على شيءٍ من أحداث الرواية..  وفي العنونة بـ "المسخ" دلالة على ما انتهى إليه أمر التحوّل، وفي "الامّساخ" لحاظٌ للفعل والحركة المتدرجة، ونحنُ نختار "المسخ" للأننا قرأناها مرتين بالعنوان ذاته، فقد قرأناها أولًا بترجمة محمد أبو رحمة ثم اعتمدنا ترجمة منير البعلبكي وهي أسبق من الأولى وأجود، ونختار عنوان المسخ قبل ذلك لأنّ الرواية بدأت بالمسخ وجعلت القارئ يفكّر في كيف كان الامّساخ ولم تصرّح بأسبابه ولا حكت بالمباشرة كيف كان ذلك..  فالمسخ إذن رواية قصيرة أو قصّة طويلة، نُشرت في عام 1915 ولعلّها أشهر ما كتب كاتبها....