التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من نوفمبر, 2025

الجريمة والعقاب

  هي ملحمة النفس البشرية..  إنها الملحمة الخالدة التي كُتبت بوحي من العبقرية المُبدعة، العبقرية التي تتغلغل في مضائق الشعور لترتدّ أدبًا يطلب الخلود لأنه أدب صادق يطّرد على اختلاف الأزمان والأحوال، فيجد فيه الدارسون معينًا لا يسقي في المرة الثانية كما يسقي في المرة الأولى ومثالًا لا يُلم به النظر في الكرة ولا الكرتين..  والأعمال التي من هذا اللون يصعب على الصفوة الممتازة من النقدة والكتّاب أن يعرضوها عرضًا وافيًا، ولا يجاوز أحدٌ الإعجابَ بالعظمةِ إلى تمييزها وتقديرها حق قدرها إلّا أن يكون هو في ذاته على قدر من العظمة.. والذي يحاول أن يعرض العبقرية عرضًا يحفظ لها قدرها الجليل لا بدّ له ليفي بإحاطته من أن تنفحه العبقريّة بشيءٍ من نفحاتها..  ولسنا في هذه الإلمامة نطمع في أن نفصّل القول في هذه الرواية ولا أن نُجمل التلخيص الذي يُحيط بها، فالأعمال الأدبيّة لا تُلخَّص والأعمال العظيمة لا ينقص منها شيء إلّا وقد نقص من قدرها شيء، لأنها معمار محكم تام، كل شيء فيه مقدّر ومقصود ومقيس بميزان لا يضطرب، وقد يعتري بعض هذه الأعمال التطويل لكننا لا نلخصها ولا ننفي عنها بعض حشوها لأنن...

نظرة في فوز العمدة

      لم تكن انتخابات نوفمبر في الولايات المتحدة عادةً مكرورة ككل عادة في محفلٍ من محافل الانتخاب، فقد كانت مرآة صافية لما يعتمل في باطن المجتمع الأمريكي من اضطرابٍ في الفكرة والسياسة والضمير. فالأمة التي اعتادت أن تُدلّ بديموقراطيّتها، وجدت نفسها مُثقلةً بها في أيسر مبادئها؛ إذ تعطلت حكومتها الفدرالية أسابيع بسبب صراعٍ حزبيٍّ على الموازنة، وانكشف النظام السياسي عن انقسامٍ لا يخفى على أحد. وفي هذه الأجواء، جاء فوز المرشح الهندي الأصل المسلم الديانة الأوغندي المولد الأمريكي المهجر: زهران ممداني، أقول جاء فوزه برئاسة بلدية نيويورك حدثًا له معنى يتجاوز حدود المدينة. فهو صوتٌ جديد خرج من التيار الديمقراطي الاشتراكي، الذي أخذ يتمدد بين الشباب والطبقة العاملة بعد أن ضاقت صدورهم بوعود الرأسمالية ومظاهر الغنى الزائف، وهو صوتٌ جديد  خرج من غير المؤسسة الحزبية التي تناوبت على الحكم سنين تلو سنين ..   لقد خاض المرشّح المهاجر حملته ببرنامجٍ بسيطٍ في ظاهره، عميقٍ في مقصده، وجملته: أن تعود المدينة إلى الناس لا إلى أصحاب الثروة. فدعا إلى رفع الأجور، وتجميد الإيجارات، وتو...

عن منافع التاريخ ومضارِّه

  كتب الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه  تأمّلات متفرقة وكان ينوي أن يجعلها في ثلاث عشرة رسالة، غير أنّها ما تمّ منها إلّا أربع رسائل كان قد كتبها ما بين عامي 1873 و1876، ثم جُمعت في كتابٍ تُرجم إلى الإنجليزيّة بعنوان:  “Untimely Meditations - تأمّلات في غير أوانها"  وفيه رسالة عن ديفيد شتراوس ورسالة عن شوبنهاور ورسالة عن ريتشارد فاغنر، وهو كتابٌ يصلح لأن يكون مدخلًا لأفكار نيتشة عن أعلام عصره وقضاياه..  ومن هذه الرسائل المجموعة رسالة نقلها بيتر بريوس مُفردةً إلى الإنجليزيّة بعنوان:  "On the Advantage and Disadvantage of History for Life - عن منافع التاريخ ومضارِّه"  فجاءت في مقدمة وعشرة فصول على خمسٍ وستين صفحة من القطع المتوسّط..    وأول ما يطلع لنا به نيتشه في هذه الرسالة: تلويحٌ يُعلمنا به أنّه ينصب معيارًا لقراءة التاريخ ويرسم حدًا للاشتغال به، فيقول:   "نعم، نحن بحاجة إلى التاريخ. ولكن حاجتَنا إلى التاريخ تختلف تمامًا عن حاجة ذلك الكسول المدلّل في حديقة المعرفة، حتى لو كان في ترفِه ينظر من علٍ إلى مطالبِنا الخشنة الخالية من الزخرف. أ...