لا يكاد المرء منّا يسمع في محاضرة أو يقرأ في كتاب مصطلح النفاق حتّى ينتابه شعورٌ بأن هذا المصطلح قديم بعيد أو لربما اندثر، فإن مرّ عليه هذا المصطلح ذهبت به مخيّلته إلى صدر الإسلام و"عصر الصحابة" وعصر قويت للتو فيه دولة الإسلام ورست فيه دعائمه فإن أراد أن يمثّل للمنافقين ويعدد، لا ينقدح في ذهنه إلا عبدالله بن أبي سلول وأعوانه ويكمل قراءته أو استماعه ونفسه مطمئنة لبعد هذا العصر أو لربما رأى أنه أبعد ما يكون عن ابن أبي سلولٍ وأصحابه. فينام قرير العين هادئ البال مطمئن النفس إلى ذلك وما حدّثته نفسه يومًا في هذا الشأن. ووالله لربما اختلجه النفاق وسرح في قلب أحدنا ومرح وامتزج بإيمانه وشابه أو ربما مزجه وهو لا يشعر. ومن المعلوم أن هيئة النفاق تبدّلت فلا يتصوّرنّ أحدنا مع تقدّم الزمن أن المنافقين ما زالوا على حالهم مجتمعين في بيوتهم مندسّين متستّرين يحيكون ويكيدون ويدسّون للإسلام الدسائس في خفاءٍ ومكر يظهرون التقوى والإيمان ويخفون الكفر والطغيان بذات الطريقة التي كانوا عليها في الزمان الأوّل. فالزمان تقدّم وتعددت أساليبهم وتنوعت حالاتهم وطرقهم وتلك حال وهيئةٌ لهم لا تكون إلّا في...