التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من أكتوبر, 2019

بالله منهم أنا؟

لا يكاد المرء منّا يسمع في محاضرة أو يقرأ في كتاب مصطلح النفاق حتّى ينتابه شعورٌ بأن هذا المصطلح قديم بعيد أو لربما اندثر، فإن مرّ عليه هذا المصطلح ذهبت به مخيّلته إلى صدر الإسلام و"عصر الصحابة" وعصر قويت للتو فيه دولة الإسلام ورست فيه دعائمه فإن أراد أن يمثّل للمنافقين ويعدد، لا ينقدح في ذهنه إلا عبدالله بن أبي سلول وأعوانه ويكمل قراءته أو استماعه ونفسه مطمئنة لبعد هذا العصر أو لربما رأى أنه أبعد ما يكون عن ابن أبي سلولٍ وأصحابه. فينام قرير العين هادئ البال مطمئن النفس إلى ذلك وما حدّثته نفسه يومًا في هذا الشأن. ووالله لربما اختلجه النفاق وسرح في قلب أحدنا ومرح وامتزج بإيمانه وشابه أو ربما مزجه وهو لا يشعر. ومن المعلوم أن هيئة النفاق تبدّلت فلا يتصوّرنّ أحدنا مع تقدّم الزمن أن المنافقين ما زالوا على حالهم مجتمعين في بيوتهم مندسّين متستّرين يحيكون ويكيدون ويدسّون للإسلام الدسائس في خفاءٍ ومكر يظهرون التقوى والإيمان ويخفون الكفر والطغيان بذات الطريقة التي كانوا عليها في الزمان الأوّل. فالزمان تقدّم وتعددت أساليبهم وتنوعت حالاتهم وطرقهم وتلك حال وهيئةٌ لهم لا تكون إلّا في...

أعظم الشعراء!

حدثني ساري النظّام ذات مرةٍ فقال: بينا أنا في المقهى ومن جلس معي في شُغلنا نخوض ونماحل إذ دخل علينا رجلٌ أنكرناه وقد بدت عليه سيماء السفرِ فانتبذ منّا مكانًا لبث فيه مليًا فرمقناه بنظرات كان الاستغرابٍ بعض ما فيها، ثم وقف فقال إنّي قائمٌ فيكم خطيبًا بعد غروب الشمس فاستمعوا لي وأنصتوا لعلكم ترشدون، ولا خير في رجلٍ سمع مقالتي هذه ثم تخلّف لغير عذرٍ منه أعذره به، فنظرنا في أنفسنا مندهشين! أيقول مثل هذا رجلٌ غريب لم نره قبل يومنا هذا! فرابنا أمره وشاقنا حديثه وأغرانا بما جاء به، فانصرف كلُ واحد منّا إلى أهله واتفقنا على أن نعود مع غروب الشمس. فما غربت الشمس حتّى اجتمعنا في مقهانا وقد أتى كل واحدٍ منّا برفاقه بعد أن أخبرهم بما سمعه من هذا الغريب. ولم نكن نجتمع في مثل هذا الوقت في المقهى، وما انتظرنا حتّى دخل علينا الرجل فانقطعت الهمهمات لمجيئه وارتفعت الأبصار إليه وأومأ كل واحد منّا لرفاقه يخبرهم أنه ذا. فسلّم علينا ورددنا السلام فجلس ثم مكث طويلًا حتّى لقد تبرّم بعضنا من طول الجلوس فما كدنا نستعيد همهماتنا حتّى وقف وقال: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أ...

التنمر الأدبي

[لا شك أن "التنمّر" كما يقولون فعل سيء وقبيح وقد تكون له آثار نفسيّة عميقة، خاصةً إذا لاقى التنمّر شخصًا عاطفيًا أو محلًا قابلًا للتأثر] ومع الأسف  أجدني مضطرًا للتقديم بهذا الاحتراز الذي وضعته بين معقوفين.. لكنّي رغم كل هذه المضار المترتبة على فعل التنمّر إلّا أنني لا أستسيغ ما يحدث الآن من استجابة لشكاوى الورديين وإطلاق هذا المصطلح وتوسيعه وجعله شاملًا لطرق النقد والتوبيخ والتقريع المستند -في الغالب- على بواعث تستدعيه، خصوصًا أن هذا الإطلاق يُفضي إلى تشريع بعض وسائل القمع الناعم والإقصاء ويُصيب المجتمع بحالة من الركود والجمود إذ يقضي على كثير من مظاهر الاختلاف.    والاختلاف ظاهرة بشريّة متجذرة في طبائع الإنسان يقول سبحانه وتعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) وهو على ذلك ظاهرة كونيّة تضمن استمرار الحركة ولولا حفظ الله لها لمات الكون. فمثلًا الاختلاف في درجات الحرارة وفق مبدأ الديناميكا الحراريّة يضمن انتقال الطاقة وتحولها من شكل لآخر وأيضًا الاختلاف في الضغط يضمن استمرار حركة الموائع. والاختلاف من حيث تأ...