شُغلتُ بالجاحظ لأني شُغلت بالبيان.. وبين الشغلين وشائج لطيفة كلما ظننت أني أفصل بعضها عن بعض رجعت بي القراءة إلى موضع الاتصال الأول، فإذا الجاحظ بابٌ من أبواب البيان، وإذا البيان مفتاحٌ من مفاتيح الجاحظ، وإذا الرجل كأنه صورة تامة لما تجود به العربية حين يجتمع لها العقل المتوثّب، والطبع المتفلّت، والعين المرسلة في الدنيا والناس.. ولأدبائنا وعلمائنا الفائتين فضلٌ علينا من جهة فواتهم! فلمّا فات لقاؤهم وغاب عنّا تفحّص الأفذاذ منهم عن كثب، ولمّا فاتنا أن نراهم كيف يفعلون حين يتحدثون وكيف تخرج أصواتهم حين يتكلّمون وكيف تترسم الانفعالات على صفحات وجوههم وكيف هي شمائلهم وأطباعهم وخلجات نفوسهم وأقدارهم_أقول لما فاتنا كل ذلك حدا بنا هذا الفوات إلى أن نوجّه قوة التفحّص كاملة موفورة فيما كتبوا كي نقرأ في سطورهم ما كان ينبغي لنا أن نطلبه في مجالسهم، وهكذا صارت الأساليب صورةً باقيةً من أمزجة الرجال وطرائقهم في العيش بعد العيش.. وكان أول ما شغلني من أمر الجاحظ هو سرُّ الخلود فيه، أعني الشيء الذي استحق به هذا الرجل أن تبقى حرارة روحه على تطاول الدهر.. والخلود في الأدب سرّ...