اليوم المشهود كان لم يتجاوز ستة عشر ربيعًا عندما كان في فصله حينها وفي العادة كان يزجّي الوقت بين الحصص في محادثة أصدقائه المقرّبين والقريبين من مكانه في الفصل أو لربما أخذ يحسّنُ في بعض واجباته قبل أن يُسلّمها للمعلم أو يستغل وقته بمراجعة حفظه للمادة التي سيختبر فيها ذلك اليوم أو لربما قام من كرسيهِ وبدأ يحرّك عضلات جسمه بعد أن خملت من كثرة الجلوس على هذه الكراسي الخشبية الصلبة أو قد يمعن في التفكير والسرحان كعادته حتّى يوقظه الجرس من خيالاته . ومن المفيد في هذا السياق أن نشير إلى أن صاحبنا لم يكن فضوليًّا قطُ ولا يحُب أن يكون فضوليًّا إلّا مع غير البشر فقد كان خجولًا وهادئًا بالقدر الذي جعله مُقلًا في علاقاته وفي الاختلاط بغيره عمومًا، وكان حييًا وخجولًا حدّ أنه كان يخجلُ نيابةً عن الناس ويستحيي نيابةً عن قليلي المروءة وكان لمزيج الحياء وحب العزلة والهدوء دورٌ في تحديد الكثير من جوانب شخصيته وقراراته بل وحياته، أو هكذا كان يرجّح . ومن تجليات هذا المزيج أنه استحكم بالقدر الذي جعل صفة التجاهل والتغافل والتغاضي في تعاملاته مع البشر من أبزر سماته وهذه النقطة تحديدًا -التغاف...