الشّعرُ موسيقى العربِ والعربُ بطبيعة أحوالها أمةٌ شاعرةٌ رقيقةُ الحسّ ودقيقةُ التمييز وهيَ إنما تأتى لها ذلك لعدة أسبابٍ نذكرُ منها: طبيعة الأرض والطقوس التي نتج عنها كثرة التحوّل والترحال. فهم عندما كانوا كثيري الترحال ما كان بدٌ لهم من أن يُلازموا إبلهم، ممّا أدام لهم الاستماع لصوت مشيها وإيقاع خُطواتها في فلاةٍ يخيمُ عليها الهدوءُ والسكونُ، فمن صوتِ خطوات الإبل أُنشئ الرّجز أول ما أُنشئ وقد قيل أنّ الرجزَ هو حلقةُ الوصل بين السّجع الذي أتى قبله لكثرة تأملهم في هديل الحمام وبين الشّعر بعد ذلك الذي قعّد له الخليل وجمع أوزانه. والعربُ أيضًا عندما حكمت عليهم طبيعة أراضيهم بالترحال، كان لزامًا عليهم أن يتخفّفوا قدر الإمكان من كل ما يُمكن التخفّف منهُ. وعندما أرادوا نقل معارفهم وحفظ تُراثهم صَعُب عليهم حمل الأخشاب والأحجار وضلوع البهائم وأكتافها التي كانت حينها وسيلة الحفظ، فآثروا التخلّي عنها واستبدلوا الشعر بها فقولَبوا الكلمات والتراكيب وحبكوا المعاني في أوزان تتسم بقدرٍ من الظرافة واللطافة يسهل بها حفظ ما أرادوا الإبانة عنه. ثمّ لمّا انتظم أمرُ الشّعر تمايزوا فيما بعد بقدر ما...