عند الحديث عن مصطلح "الحضارة" لا نجد صعوبةً في تفسير معناه ولا تقييد دلالات المصطلح. ولكن مفهوم الحضارة كغيره من المفاهيم التي لها نشأة وتاريخ قد يُسيّس أو يُقيّد في مظاهر خاصة بمكان معين أو عرق أو لغة. والأمم المنتصرة عادةً هي من تصنع التاريخ وتصوغه، ولذلك نرى في هذا العصر ظاهرة "غربنة" الحضارة وإلباس كل الحضارات الأخرى ثوب الحضارة الغربيّة ونسبة أصول العلوم والفنون لها وازدراء كل ما يخالفها. ولكن السؤال الذي نريد أن نجيب عنه في هذا المقال ويكون في إجابته بيانٌ لبعض الإشكالات التي تتعلّق بمعايير الحضارات هو: ماهي أسس ومعايير تفوّق حضارة على غيرها ومتى نشير لحضارة بعينها على أنها أكثر تقدمًا من غيرها؟ لا شك أن هذا السؤال يبدو في الوهلة الأولى أنه يسير، ولكن لم يكن هذه اليسر إلّا نتاج عيشنا في هذا العصر، ونتيجة لنقد الحضارات الأخرى بمقاييس الحضارة المتفوقة حاليًا. ولأننا نظن أننا الآن على هرم الحضارة الإنسانيّة فلا نجيب على هذا السؤال إلّا بذكر مظاهر الحضارة المعاصرة مُسلّمين بتفوقها في كل المعايير، لكن في الحقيقة، هذا السؤال معقّدٌ ويحتاج إلى تأمّل في ...