التخطي إلى المحتوى الرئيسي

شعر الشعور الموسيقيّ



الشعر بالتعريف المُقعِّد البسيط هو الكلام الموزون المقفّى ذو المعنى، ولكن هذه الأركان الأربعة تعبّر فقط عن الحدّ الأدنى اللازم للتفريق بين الشعر والنثر، وهذا النمط من التعريف يتسع لكثيرٍ من النصوص.

والعربيّ شاعرٌ بطبعه يعبّر عن شعوره بالأوزان ويؤرخ الأحداث بها وينقل بها المعارف والعلوم، ولمّا كانت العرب أمّةً لم تنتشر فيها الكتابة وكان الكلام الموزون أسهل حفظًا من غيره أصبح الشعر الوعاء الأشهر الأيسر لنقل وتسهيل حمل العلوم والأخبار والحكم والأحداث فكان هذا التعريف السابق الذي اتسعت دائرته حتّى شمل الشعر التأريخي والتعليمي الخالي من الشعور كألفيّة ابن مالك في النحو، والسيوطي في علم الحديث وغيرها من النصوص والمتون المنظومة.

أما التعريف الصحيح للشعر -من حيث أصل تسميته- هو على الأقل أن يضاف فيه على ما تقدم "ركن الشعور الموسيقي"  ذلك الركن الفاصل بين الشعور وبين باقي المنظوم فلا يقبل الشعر أن ينقص هذا الركن منه، فالقصيدة الموزونة المقفّاة الخالية من الشعور والموسيقى لا يصح تسميتها شعرًا ويدخل في ذلك بالإضافة إلى المنظومات التعليمية كل قصيدةٍ فقدت النغم الكامن بين ألفاظها.
 ونحن نرى أن من قام شعره على هذا الركن واختلق به معنىً خلّاق بقيَ لنا شعره، وإن طال البون بين إنشائه واليوم فهو دارج حتّى اليوم يُترنّم ويُتنغّم به وعُدّ من أجمل ماقيل.

 فليس أقرب للإنسان من قصد الوجدان بحديث الأوزان، إذا ما امتزج بعمق المعنى وجمال النغمة الكامنة في الألفاظ العذبة والتراكيب الرنّانة والعبارات الطنّانة والتي تعوّض قِدم المعاني وابتذالها في أحايين كثيرة فترى أحيانًا أبياتًا لها نفس المعنى لايتميّز منها إلا أعذبها لفظًا وأجملها إيقاعًا، وأكثر ما يُنشّز اللحن الجميل:  وعورةُ الألفاظ وإمعانها في التكلّف بالجزالة والتشدّق والتحذلق.

وكان المتنبّي من أشعر العرب وأجزلهم وأكثرهم طرقًا للألفاظ الوعرة، ومع ذلك فإن أكثر ما اشتهر من أبياته ودرج بيننا هي تلك الأبيات العذبة الموسيقيّة ذات الألفاظ السهلة وغابت عنّا قصائده التي تكلّف فيها وأتى بالوحشي المستوحش.

 فمن أبياته المشهورة والمتصفة بسهولة اللفظ وموسيقاه :

ما كل ما يتمنّى المرء يدركهُ
تجري الرياح بما لاتشتهي السفنُ
...

كل غادٍ لحاجةٍ يتمنى
‏أن يكون الغَضَنفرَ الرِئبالا
إنما أنفسُ الأنيس سباعٌ
‏يَتفارسنَ جهرةً واغتيالا

إذا أنت أكرمتَ الكريم ملكتهُ
وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
...
 على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ
 وتأتي على قدر الكرام المكارمُ
مَن أطاق التماس شيءٍ غِلابًا
‏واغتصابًا لم يَلتمـسه سـؤالا

وغيرها الكثير من الأبيات الشائعة والدّارجة والتي نوردها في ردودنا واستشهاداتنا والتي يتضح جليًّا فيها سهولة المفردات ونغمتها. وفي المقابل أنشأ المتنبي قصائدَ وعرة الألفاظ غابت عن كتب الأدب والنقد، قبل أن تغيب عن خطبنا ومجالسنا، وتكاد تغيب عن الرواية. وأحيانًا تكون الألفاظ في القصيدة سهلةً ولكن تفتقر للحس الطروب والنغمات الرنّانة الجميلة ومثال ذلك من شعر المتنبّي ما وصفها بديع الزمان الهمذاني في المقامة العراقية بأنها " حماقة " وهي قوله :

عِش ابْقَ اسْمُ سُدْ جُدُ قُدْ مُرِ أنْهَ أسْرُ فُه تسَلُ
غِظْ أرْمِ صِبِ احْمِ اغْزُ اسْبُ رُعْ زَعْ دِلِ اثْنِ نَلْ

فمع سهولة المفردات وعمق معناها إلّا أنها تفتقر لملامح الجمال وترانيم الجمل فهُجرت. وقد قيل بأن شعر جرير هو أجمل ما  قيل في أغراض الشعر وكانت الموسيقى حاضرةً باديةً في أبياته التي استحق بها هذه الإشادة ولعلّي لا أُخطئ إن قلت أنها كانت سبب التميّز والجمال فيما عدّته العرب من أجمل ماقيل.
ففي الفخر أنشأ :
إذا غَضِبت عليكَ بنو تميمٍ
حسبت الناس كلّهُمُ غُضابَا

وفي الهجاء قرَض :
فغضّ الطرف إنك من نُميرٍ
فلا كعبٌ بلغت .. ولا كلابا

وفي المدح قرّظ بـ :
ألستُم خيرَ من ركب المطايا
وأندى العالمين بطونَ راحِ

وفي الغزل نظم :
إن العيون التي في طرفها حورٌ
قتلننا ثم لم يُحيين قتلانا

فظنّي بهذه الأنغام والترانيم الخفيّة في الألفاظ ذات المعاني البليغة أنها من مقتضيات السحر في حديث الصادق المصدوق ﷺ: ( إنّ من البيان لسحرًا ) فتلك الأبيات التي لاتفرض علينا تكرارها والتنغّم بها والتبسّم عند قراءتِها الأولى ولا تستجلب كلمات الانبهار بعدها لن تُصنّف من عيون الأشعار وإن ذاعت في الأمصار فلن تختلج الصدور وحسبها من القراءة العبور.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

قرية المواعيد

كانت الأوراق العالقة بين أغصان الزيتون تُشبه أن تكون بقايا من رواية طويلة أو لعلّها تشبه أن تكون فصولًا من كتاب ضاع عنوانه وضاع بعضه، أو قصةً من جملة قصصٍ كانت مجموعةً في غلاف، أو لعلّها طرفًا من مذكّرات تفرقت هنا وهناك..  ولم تكن تلك الأوراق كثيرة، غير أن القليل منها كان يكفي ليُشعر قارئها أنه عثر بحياة كاملة ممزقة، حياة لم تستطع أن تتم في صاحبها، فحاولت أن تتم في العبارة.. وفي كل ورقة منها أثر يدٍ متعجّلة، أو قلبٍ يريد أن يقول شيئًا قبل أن… قبل ماذا؟ لا أدري ولعلّ كاتبها لا يدري كذلك..  كُتب في بعض هذه الأوراق:  {عين الحكاية تنفتح على السهل انفتاح الفجر على المروج، فتمر بحصى الرمل المتناثر على أديم الأرض، وتمر بجدولٍ هزيل ضامر يشبه وخط الشيب أول ظهوره في عارض الشاب الفتي، ثم ترتفع إلى حقول القمح وهي تنحني للريح مع كل عصفٍ من عصفها وكل نسيم من نسيمها، تنحني للريح ولا تنكسر له. ثم تمتد النظرة وتنسحب حتى تبلغ الجبال الرمادية في أقصى المشهد، وهي قائمة في سكون الشهود الذين رأوا كل شيء وعجزوا عن أداء الشهادة ورواية التاريخ..  وبين السهل وتلك الجبال كانت القرية التي سماها...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...