[لا شك أن "التنمّر" كما يقولون فعل سيء وقبيح وقد تكون له آثار نفسيّة عميقة، خاصةً إذا
لاقى التنمّر شخصًا عاطفيًا أو محلًا قابلًا للتأثر] ومع الأسف أجدني
مضطرًا للتقديم بهذا الاحتراز الذي وضعته بين معقوفين..
لكنّي رغم كل هذه المضار المترتبة على فعل التنمّر إلّا أنني لا أستسيغ ما يحدث الآن من استجابة لشكاوى الورديين وإطلاق هذا المصطلح وتوسيعه وجعله شاملًا لطرق النقد والتوبيخ والتقريع المستند -في الغالب- على بواعث تستدعيه، خصوصًا أن هذا الإطلاق يُفضي إلى تشريع بعض وسائل القمع الناعم والإقصاء ويُصيب المجتمع بحالة من الركود والجمود إذ يقضي على كثير من مظاهر الاختلاف.
والاختلاف ظاهرة بشريّة متجذرة في طبائع الإنسان
يقول سبحانه وتعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ
وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)
وهو على ذلك ظاهرة كونيّة تضمن استمرار الحركة
ولولا حفظ الله لها لمات الكون. فمثلًا الاختلاف في درجات الحرارة وفق مبدأ
الديناميكا الحراريّة يضمن انتقال الطاقة وتحولها من شكل لآخر وأيضًا الاختلاف في الضغط
يضمن استمرار حركة الموائع. والاختلاف من حيث تأثيره على العقول يعدُّ من المحاسن المرجوّة مادام أنّه في أمورٍ تقبلها الفطرة ويقبلها العقل في ضرورياته، وما دام أنّه لم يصل إلى الحقائق المطلقة التي أثبت النقل أو العقل
قطعيّتها. وهو كذلك رحمة للبشر وللاختلاف رسومٌ وحدود تضمن الاستفادة منه لكن ليس
المقامُ مقام بيانٍ وتفصيلٍ لها.
حسنًا، نعود إلى "التنمّر" فكما قلنا نقول:
إنّ إطلاق هذا المصطلح -أي التنمر-؛ يحد من مظاهر الاختلاف السليمة ولا أعلم على
التحقيق ما إذا كانت هناك علاقة ضروريّة بين تقدّم الزمان وتطوّر وسائل التواصل
الاجتماعي وبين سرعة تضّجر الناس وضيق صدورهم أم لا!
لكن الأمر خرج عن التقييد وصار الناس يعدّون كل
نقدٍ تنمرًا!! ومما يزيد الأمر تعقيدًا وضررًا هو أن يعمد الشاكي من النقد إلى
استخدام وسيلة قمعيّة وهي الـ "block"
ومصطلح الـ " block" لغةً هو ترجمة حرفيّة إنجليزيّة لكلمة "حظر"
بالعربيّة وهي في الاصطلاح "الإنترنتي" وسيلة لقمع وإقصاء الآخر من أي
نقاش بلا أي ضوابط وحدود لهذا الفعل وبلا أي مقدمات حتّى!! وتتجلّى في هذه الوسيلة
إحدى صور تناقض الغرب الداعي للديموقراطيّة والتعدديّة!! فهو من جهة يدعو لحريّة
التعبير والرأي بينما يتيح هذه الوسيلة في كل تطبيقاته "الإنترنتيّة"
التي أنتجها. وإني إذ أتعجّب من هذا التناقض فإني لا أقيم طويلًا على تعجبي خصوصًا
إذا استحضرت طبيعة هذا الزمن الذي فسدت فيه المعايير واضطربت، فلم يعد يطّرد في
زمن الحداثة وما بعدها منهجٌ ولا يُحتكم فيه إلى ضابط، بل إن القوم أصبحوا
يتساءلون عن معنى المنهج والضابط من الأساس نافين بذلك أو ناسفين ما تبقى من قيم..
ويا للأسى كم حرمنا هذا المصطلح الإقصائي
(التنّمر) وحرمتنا وسيلة "البلوك" من نقاشات جميلة إثرائيّة والحمد لله
إذا لم يمكّن اللهُ الإنسان من اكتشاف العلوم التي جعلته يصمم هذه البرامج
والتطبيقات مبكرًا فلا أستطيع تخيّل ما سيؤول إليه التراث الأدبي لو أن الأدباء
أتيحت لهم هذه الوسيلة.. ويا هل ترى كيف سيكون تراثنا الأدبي العربي لو أن جريرًا
ضاق ذرعًا من هجاء الفرزدق فأقصاه بالـ "block” ويا كم سنخسر من تراثنا النقدي لو أنّ الأديب مصطفى صادق الرافعي
أقصى العقّاد من أول مناوشة له، وقس ذلك على جميع المجالات. ومن المناسب أن أورد
نصًا للأديب والفقيه علي الطنطاوي إذ يقول فيه بقلمٍ يكاد يتهدّج من الحزن على
زمنٍ مضى بطرق النقّاد القديمة وأتى بهذا النقد الهش فيقول واجمًا: "ليس
فيه-أي النقد الحديث- لكمٌ ولا لطمٌ ولا رفس، ولكنه شيء كالعناق والتقبيل، ومس
بالأيدي الناعمة، وتربيت على الأكتاف اللينة"
ويقول واصفًا بفخر يعتريه نوع من الأسى إذا ما
تذكّر زوال ذاك الزمان:
"كان النقد عند الطبقة التي قبلنا من
الأدباء مثل المصارعة الحرة: ليّا (أي لويًا) للأيدي وخلعًا للأكتاف، وكسرًا
للأصابع، ونطحًا، وبطحًا، ورفسًا، وعضًا، ورفعًا وخفضًا، وكل ما تصنع الوحوش
المتقاتلة في الغاب، وما لا تصنعه الوحوش، حتى أن الواحد ليرفع الآخر في الهواء،
ويداه ممدودتان، ثم يلقي به على الأرض، فيختلط طوله بالعرض، وكنت (ولا فخر)، من
أقدر أصحابي ومن هم في طبقتي في هذا، وكنت أشدهم على الخصم، وأكثرهم احتمالاً من
الخصم، على أنني ما كنت أضرب وأهرب، بل أقف مقيم الصلب، مُبدياً صفحة الصدر، قد
شددت عضلاتي، أدعوه ليضربني خمسًا أو ستًا فلا أتزلزل ولا أتزعزع وأضربه واحدة،
فيخر منها للوجه ولليدين" انتهى.
وبعد فإني أقول ما أقول حزنًا على ما آلت إليه
ساحات العلم والأدب والمعرفة من ضمور الاستفادة من الاختلاف، لكنّ الأمر أشد من الركود والجمود، وهو أنّ هذا
التوسيع الفج لدلالات مصطلح "التنمّر" يصنع جيلًا هشًا أدنى ما يكون إلى
التكسّر، جيلًا مدللًا لا يستطيع أن يواجه مشاكل الحياة
اليوميّة، وغير قادرٍ على تحمّل أدنى المسؤوليات التي كان يتحملها من هو أصغر في
السنّ منه في ما مضى من الأزمان والعصور، ونحن نرى الآن ملامح هذا الجيل الوردي
القادم الذي لا يهش ولا ينش وقد خُدّر بالفردانية والاهتمام بالذات منعزلًا عن
الاشتراك في القضايا المجتمعية الكبرى، بل وأكبر من ذلك أنّه بات لا يستطيع أن
يقيم أمر نفسه إلّا بالإغراق في نظريات "تطوير الذات" ثم تراه قاعدًا
عند عقبات الحياة وقد جلس القرفصاء وأطرق برأسه بين رجليه، ينتظر صيحات التحفيز بـ
"أنت تستطيع" "نحن معك" "أنت قادر على كلّ شيء"
وكما رأينا هذه المظاهر فقد أصبح من الاعتياد أن نرى سوق الأطباء النفسيين وقد راج
رواجًا غير مسبوق، ولم يقتصر الأمر على الطب النفسي، بل أصبح المجتمع بأكمله بين
مستشارٍ نفسي ومجرّبٍ له الآراء والوصفات..
تعليقات
إرسال تعليق