التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإسلام بين الكنيسة والمختبر




من أبرز المشكلات العميقة التي تؤسس للمشاريع والأفكار العربيّة المستوردة من الغرب هي كيفيّة تعاطي المتأثرين بالثقافة الغربيّة الحديثة مع مصطلح "الدين" والاعتماد على التصوّر الغربي في رؤية الإسلام ومفاهيمه.  وتتضح لنا هذه الإشكاليّة إذا نظرنا في جميع الحملات التغريبيّة التي قادها لنا المفكرون العرب القابعون تحت سطوة الانبهار بالمعطى الحضاري الغربي حيثُ أن جميع هذه الحملات والمشاريع ماهي إلّا ذات المشاريع -بلا أي تعديل عليها- التي استخدمها الغرب في حل مشاكله الناتجة عن "الدين" وفق التجربة الغربيّة.
وفي هذا السياق أوردُ نصًا للرئيس المفكّر علي عزّت بيجوفيتش -رئيس دولة أوربيّة- ذكره في مقدمة كتابه (الإسلام بين الشرق والغرب) مبينًا فيه فهم أوربا لـ "الدين" وهو ذات المفهوم التي تنظر فيه للإسلام، يقول: "مصطلح "دين" في هذا الكتاب يشير إلى معنى محدد هو المعنى الذي تنسبه أوربا إلى الدين وتفهمه على هذا النحو، وهو أن الدين تجربة فرديّة خاصة لا تذهب أبعد من العلاقة الشخصيّة بالله وهي علاقة تعبّر عن نفسها فقط في عقائد وشعائر يؤديها الفرد. وعليه، فلا يمكن تصنيف الإسلام كدين بهذا المعنى فالإسلام أكثر من دين لأنه يحتوي الحياة كلها"

فعندما كان الغرب يعاني من التخلّف والجهل -بسبب التطرّف الروحي الذي يمثّل التفسير الديني للحياة في "المسيحيّة المحرّفة" بعد أن استبدت بالسلطة والحياة وجمدت العلوم والمعارف- قام الفلاسفة ورجال العلم بمحاولة إصلاح حياتهم بتقديم تفسير آخر ونظرة أخرى للحياة تمثّلت في نبذ كل ما هو ديني وكل ما من شأنه أن يعرقل التقدّم العلمي، فانتقل بذلك من أقصى التطرّف الروحي إلى أقصى التطرّف المادي فأنشأ لنا حزمةً من الأفكار الإلحادية العلمانيّة كالشيوعيّة والماركسيّة والديموقراطيّة والفاشيّة والنازيّة الناقمة على الأديان والمنكرة لها بل ولا تؤمن بوجود الخالق والعياذُ بالله، وفشل أكثر هذه الأفكار فشلًا ذريعًا وباقيها وإن قدم حلولًا تضمن التقدّم المادي إلّا أنه سقط في هوّة لا قاع لها في باقي جوانب الحياة وفي ما يتعلّق بالغرض الأسمى للخلق ويا للأسف إذ نجد بيننا من يُطالب باستنساخ التجربة الغربيّة في حصر الدين وتقييده وينظر إلى لإسلام كما نظرت أوربا للدين المسيحي المحرّف.

والغرب المتقلّب بين التطرفين (الروحي/المادي) كان ولا يزال يصوّر الإسلام بطريقة يشرّع فيها لنفسه عداءه ومحاربته لإسلام. ففي الماضي عندما كان الغرب تحت هيمنة الديانة المسيحيّة المحرفة والتي كانت ضد كل ما له علاقة بالدنيا والمادة كان يصوّر الإسلام على أنه دين غير روحي ممعن في الجوانب الدنيويّة والماديّة وذلك لأن الإسلام غير محصور في العقائد والشعائر بل يمتد حتّى يشمل المعاملات وينظّم المجتمع ويشرّع الأنظمة ويدخل في جميع تفاصيل الحياة بما فيها السياسيّة والاقتصاديّة وكان يشجع على العلوم العقليّة والطبيعيّة (التجريبيّة) التي كان يعدّها الغرب -وهو قابع في ظلامه وجهله وتخلّفه- ضربًا من ضروب الإلحاد ومخالفةً صريحةً لتعاليم الكنيسة. وفي الحاضر وفي أثناء استحكام الإلحاد والأفكار الماديّة والتجريبيّة والبراغماتيّة(النفعيّة) على العقليّة الغربيّة أضحى يصوّر الإسلام على أنه دين معارض للعلم والتقدّم وما ذلك إلّا لأن الإسلام لا يحصر المعرفة فقط فيما تثبته لنا التجارب المعمليّة المختبريّة بالطريقة العلميّة (Scientific method) ولكنّه متوسّع في المصادر لتشمل -إلى جانب المصادر التجريبية- العقل المتمثّل بالمبادئ العقليّة الضروريّة التي أوجدها الله في الإنسان بالفطرة السليمة والخبر الصادق (الوحي قرآنًا وسنةً) ولأن الإسلام يؤمن بالجنّة والنار وبالغيبيّات التي أخبرنا بها الله جلّ جلاله التي يقصر المختبر عن فحصها ويقصر العقل عن تصوّرها ويحتار فيها لكن لا يحيلها، ولأن الإسلام ينظّم العلوم ويحدد مساراتها بما يضمن تحقيق الهدف الأسمى من الوجود وبما يكفل بقاء الأخلاق والشرف والفضيلة في المجتمع. فلذلك وأكثر حارب الغربُ الإسلامَ بكنيسته في الماضي وبمختبره في الحاضر.

والحاصل أنه يجب علينا الآن إذا ما أردنا أن نقرأ في النتاج الغربي الحديث ونقده للدين أن نميّز بين المفهوم الذي يصوّره الغرب لمصطلح "الدين" وبين "الإسلام" وحتّى إذا نقدوا الإسلام مباشرةً فهم لا يكادون يخرجون عن التصور الناجم عن التحامل على مصطلح "الدين" نتيجةً للإرث الثقافي التاريخي للغرب ضد هذا المصطلح أو لبواعث باطلة أخرى لا تلبث أن تتهاوى أمام الحجّة الصحيحة والمنطق السليم والعقل القويم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

قرية المواعيد

كانت الأوراق العالقة بين أغصان الزيتون تُشبه أن تكون بقايا من رواية طويلة أو لعلّها تشبه أن تكون فصولًا من كتاب ضاع عنوانه وضاع بعضه، أو قصةً من جملة قصصٍ كانت مجموعةً في غلاف، أو لعلّها طرفًا من مذكّرات تفرقت هنا وهناك..  ولم تكن تلك الأوراق كثيرة، غير أن القليل منها كان يكفي ليُشعر قارئها أنه عثر بحياة كاملة ممزقة، حياة لم تستطع أن تتم في صاحبها، فحاولت أن تتم في العبارة.. وفي كل ورقة منها أثر يدٍ متعجّلة، أو قلبٍ يريد أن يقول شيئًا قبل أن… قبل ماذا؟ لا أدري ولعلّ كاتبها لا يدري كذلك..  كُتب في بعض هذه الأوراق:  {عين الحكاية تنفتح على السهل انفتاح الفجر على المروج، فتمر بحصى الرمل المتناثر على أديم الأرض، وتمر بجدولٍ هزيل ضامر يشبه وخط الشيب أول ظهوره في عارض الشاب الفتي، ثم ترتفع إلى حقول القمح وهي تنحني للريح مع كل عصفٍ من عصفها وكل نسيم من نسيمها، تنحني للريح ولا تنكسر له. ثم تمتد النظرة وتنسحب حتى تبلغ الجبال الرمادية في أقصى المشهد، وهي قائمة في سكون الشهود الذين رأوا كل شيء وعجزوا عن أداء الشهادة ورواية التاريخ..  وبين السهل وتلك الجبال كانت القرية التي سماها...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...