التخطي إلى المحتوى الرئيسي

جَوْهرُ الشِّعرِ




الشّعرُ موسيقى العربِ والعربُ بطبيعة أحوالها أمةٌ شاعرةٌ رقيقةُ الحسّ ودقيقةُ التمييز وهيَ إنما تأتى لها ذلك لعدة أسبابٍ نذكرُ منها: طبيعة الأرض والطقوس التي نتج عنها كثرة التحوّل والترحال. فهم عندما كانوا كثيري الترحال ما كان بدٌ لهم من أن يُلازموا إبلهم، ممّا أدام لهم الاستماع لصوت مشيها وإيقاع خُطواتها في فلاةٍ يخيمُ عليها الهدوءُ والسكونُ، فمن صوتِ خطوات الإبل أُنشئ الرّجز أول ما أُنشئ وقد قيل أنّ الرجزَ هو حلقةُ الوصل بين السّجع الذي أتى قبله لكثرة تأملهم في هديل الحمام وبين الشّعر بعد ذلك الذي قعّد له الخليل وجمع أوزانه.
والعربُ أيضًا عندما حكمت عليهم طبيعة أراضيهم بالترحال، كان لزامًا عليهم أن يتخفّفوا قدر الإمكان من كل ما يُمكن التخفّف منهُ. وعندما أرادوا نقل معارفهم وحفظ تُراثهم صَعُب عليهم حمل الأخشاب والأحجار وضلوع البهائم وأكتافها التي كانت حينها وسيلة الحفظ، فآثروا التخلّي عنها واستبدلوا الشعر بها فقولَبوا الكلمات والتراكيب وحبكوا المعاني في أوزان تتسم بقدرٍ من الظرافة واللطافة يسهل بها حفظ ما أرادوا الإبانة عنه. ثمّ لمّا انتظم أمرُ الشّعر تمايزوا فيما بعد بقدر ما يُطربون به الأسماع والأفهام كلُ على حسب الأنغام التي يعزفها بمعانيه وأوزانه وتراكيبه وقوافيه.
ونحسب أنّ لتطوّر الشعر ظروف من اللغة وظروفها وقواعدها، وحاجات أصحابها، وأنّ لنغمته ارتباط وثيق بنطاق اللغة وأقيستها واشتقاقاتها، وشيء كثير لو أفردنا له هذه المقالة لكنّا مع ذلك نقصّر في تبيانه، ونحن مع أنّا نُرجع إليه التأثير الأعظم إلّا أننا نجعل الإشارة إليه أخصر الإشارات كي لا يُظن أننا نستوفي حقّه من الإشارة.. 
ولستُ أقول ما سبقها من الإشارات لأقدّم تفسيرًا سببيًا لنشأة الشّعر متى ما غابت المسببات غابت الأسباب فهذا النوع من الأسباب يعود في أغلبه لطبيعة اللُغة في ذاتها. وإنما قدّمت بما قدمت تعريجًا على بعض الأجواء التي صاحبت نشأة الشّعر وأثّرت في تكوينه وكان منها تجلية أهمية الموسيقى الكلاميّة في الشعر والتي كان لها قُطب الاحتكام فيما يتمايز به الشعراء. 

قوام الشعر
إن قوام الشّعر العربي يتمثل في موسيقاه الكامنة في أركانه الأربعة ولكل ركنٍ من هذه الأركان خطرهُ ونغمتهُ وتأثيره، ففي المعنى تنتشي النفسُ وتطرب وتفكر وتطرق باندهاشٍ وذهولٍ مستغرقةً في الخيال، يجول التفكير بها في براعة المعنى وطريقة تجلّيه وغرابة تأتيه وبديع تعبيره عن ما يختلج النفس وما يطابق مقتضى حالها.
أما التراكيب اللفظية فيجد اللسان في إيقاعها وأسلوبها وترابط حروفها وكلماتها حلاوةً تسحرهُ وتدفعهُ بغير قصدٍ منه على التكرار وهو على كثرة ترداده لا يكلُّ ولا يملُّ ولا يفتر، مستصحبًا في ترديدهِ إكبار النفس لهذا البيان الشريف الذي نفذ للمعنى بدقةٍ وتناسق، فلا يسع النفس حياله إلا الإجلال والإكبار.
وأما الوزن فهو كخيط العقد الناظم الذي به تستوسق قطعهُ وتنتظم لآلئهُ وتتم به للسمع لذتهُ وهو ضابط الإيقاع وحاميهِ أن يغرب لحنهُ أو أن يضطرب شأنه. وبالوزن يطرب السمع ويترنم صعودًا ونزولًا تحريكًا وتسكينا وبه تُتشوّف النفس للمدة الزمنية التي ينتهي بها البحر ولحنهُ وهو -أعني الوزن- بكل ذاك جاز أن نحكم به على القصيدة كلها بالاعوجاج إن هي أخلّت بشيءٍ منه.
فأما القافية فبها يتم للشطر رونقهُ وللّحن خفّته. فكأنما هي العطر لمن كَمُل تجمّله فهي خاتمة الحسن وحاكمة النغم، غافرةٌ لما شان أو فاضحةٌ لما زان، وبه تتهيأ النفس لاستقبال النغمة الخاتمة للشطر المتسقة مع جميع ما تقدمها أو تأخر عنها من الفواصل.

معيار التفاضل
فأما الوزن والقافية فبهما جميعًا يكون الحدُّ الأدنى من النغم والجرس الموسيقي ولا يصدق للمقطوعة العربيّة إطلاق وصف "القصيدة" لها إلّا بهما ولا يكون الشاعر شاعرًا إلّا إذا استطاع أن يطوّع اللغة ويصبّها في هذه القوالب وليس هناك تفاضل أو تمايز بين الشعراء في هذين الركنين من حيث أصلهما والقدرة على تفريغ اللغة فيهما والتحكم بالكلمات والتراكيب وضبطها بهذه التقطيعات الصوتيّة فمن لم يتمكّن من ذاك فلا يتفق له أن يكون شاعرًا أصلًا! فنطاق التمايز في هذين الركنين من حيث أصلهما ضيق مقارنةً بالمعاني والتراكيب فلا يكاد يكون التمايز بينهما -أي الوزن والقافية- إلّا بالتخيّر بين الأوزان والقوافي والمناسَبةِ بينهما وبين ما يُريد الشاعرُ أن يعبّر عنه وقد تكون بقدرته على التصرّف.
إنما يكون الرهان والتمايز والتفاضل والترجيح في الفصاحة والبلاغة وشرف البيان ولا تكون إلّا في الألفاظ والمعاني، فالفصاحة في الألفاظ تكون بسهولتها وعذوبتها وترنيمها مع عدم مخالفتها للقياس، وائتلاف حروف الكلمة وكلمات التراكيب وحُسن مخرجها وتأديتها لظروف الكلام. والبلاغة في المعاني تكون بمطابقتها لمقتضى الحال مع الفصاحة وأما البيان فهو قدرة التصوير والتعبير والتقريب والإبانة عن المعنى بأحسن مبنى. وكل هذا مما تطرب له النفس وهذه هي الموسيقى التي نعنيها.

وهن الشعر
لكن عندما ضعف الشعراء ووهن النقاد وفسدت معايير النقد وغُلب العرب على أدبهم رأينا ما رأينا من عيوب الشعر وسقطاته. فعندما ضاق المستغربون ذرعًا بالأوزان والقوافي أنشأوا لنا نثرًا عدّوه شعرًا وما هو من الشعر في شيء إذِ افتقر للحد الأدنى من نغمهِ وموسيقاه فما عادت النفس تترنم ولا تطرب فبعد أن كانت تنصت للشعر متأهبةً لاستقبال إيقاع التفعيلات مشرئبةً لنغم الفواصل أضحت -حتى وإن سمعت ما يروقها من المعاني- تمجّهُ معرضةً عن قبوله شعرًا، وفي الأعم الأغلب أنها لا تسمع نغم التراكيب والمعاني كما أنها لا تسمع نغم الوزن والقافية، لأن من قصُرت به لغتهُ عن الإتيان ببيانها وإحكام معانيها بهذا النمط قل أن يبين في غيره..

لقد مرّ زمنٌ منذ أن كان الشعراء يغرفون معانيهم من معين الفصاحة وجزالة الأساليب وبعد أن كانت قرائحهم سليمةً ومعايير الذوق عندهم قويمةً يحكّمونها فيما يتفاضلون به من بدائعهم التي ينفذون بها إلى نفوس الناس ويأسرونها بالبيان ثم يُطربونها بعجيب تعبيرهم عن خوالج النفوس وما يعتريها. أتى علينا زمانٌ استعان فيه الشعراء بالخلفيات الصوتيّة الموسيقية تعويضًا عن النقص الذي اعتور قصائدهم الجوفاء الخالية من كل ما تطرب له الآذان وتخف له الأبدان ثم اتخذوا من المحسنات -التي ليست من الشعر في شيء- وساطةً للقبول والرواج بعد أن كانت القصائدُ لا يشفعُ لها إلّا هي.

تعليقات

إرسال تعليق