أعلن قبل أيام رئيس أمريكا جو بايدن
في تصريحٍ يخاطب به العالم أنّ أمريكا هي أمّة المثليين وهي الراعية لهم وغير ذلك من أوصاف الحماية والافتخار إلى آخر ما قال.. ولو أردنا أن نسمي الأمور بأسمائها لجاز لنا أن نتصّرف في التصريح فنقول
إنه قال: إن أمريكا هي أمة اللوطيين والشواذ وإنها راعية العُهر والفجور..
وهذا الإعلان الأمريكي لم يُحدث شيئًا
ما حدثَ منذ أمدٍ بالأقوال والأفعال، فنُخب الغرب قد هوت منذ زمن بعيد في هاوية
الشبق وهي تنتظر منذ ذلك الزمن البعيد أن تستقرّ في قاعه وقد أعياها القرار، فهي
نُخبٌ لا تحترف شيئًا في ميادين الأخلاق كما تحترف حفر القيعان قاعًا بعد قاع.
فالحضارة الغربيّة الآن -كما لا يخفى
على عين ناظر وإن كان أعشى- هي حضارة السِفاح والخنى الذي يسمونه
"جنسًا" بعد أن كانت حضارة العلم والتجربة.. وهي حضارةٌ في جملتها تعاني
كبتًا "جنسيًا" بعيد الغور سحيق المهوى في وعيها الباطن كما عرّفه
طبيبها النفسي سيغموند فرويد حين أرجع كل سلوك سويٍ ومختل إلى بواعث الشهوة والـ
"جنس".. ومع ذلك فإنّه يحلو لهم أن يصموا أمم الشرق بالكبت! لأنّ
المكبوت عندهم هو الذي حُرم الجماع والحق في ذلك أن المكبوت هو المقموع المحروم
كما قالوا، غير أنّ تنزيل هذا التعريف على أمم الشرق لا يستقيم.. فليس من علامات
المحروم أن تكون له حياةٌ وغاية تضبط له الاعتدال في الشهوات، إنما المحروم من
يُفرط في الشهوة ويلهج بها ويرتهن لها ويصحو عليها ويبيت.. فالأمة الغربيّة بهذا وغير هذا أمة
الشبق والسعار وقد أدمنت ذلك وضريت عليه..
وإدمان الدعارة والفُحش مثل إدمان
"المخدرات" فمدمن المخدرات لا يصح له مزاجه في الجرعة الثانية كما صح في
الجرعة الأولى إلّا أن يزيد فيها، وإن زاد فيها زادَ عليه الثمن وصعب عليه الحصول،
فيسوقه الاضطرار إلى أن يضحّي في سبيل المزاج بما لم يكن يخطر له ببال فيتردى في
طُرق الحصول حتى يقنع بالوصول.. وكذا مُدمن الدعارة والفُحش، لا يرضيه في الشهوة
الثانية ما يرضيه في الأولى فيطلب التغيير والتبديل، فمرةً يغيّر في وضع الممارسة
ومرةً يغير موضوعها ومرةً يغير المكان والزمان ثم يحلو له الإعلان والحرج، ويستهوي
الإغراب والتوحّش، هكذا هكذا حتّى يُسيغ نكاح الحيوانات والجمادات ويجد متعته في
الردى والقاذورات وقد حدث! وجرّب الغرب من أفانين العُهر والتهتّك ما لا يقع في
وهم المخترع الحاذق الذي يجلس جلوس من يُريد أن يبتكر طريقةً مستحدثة وأسلوبًا جديدًا..
ولا يروج شيءٌ اليوم في الغرب رواج الأفلام الإباحيّة، وقنواتهم تتفنّن في صناعتها وإنتاجها واستحداث الطرق والأساليب، وتجني من ذلك أموالًا تغريهم على البحث والتطوير!! وقد انقلبت عندهم المعايير وانتكست عندهم الفِطَر انتكاسًا بلغ بهم أن يستضيفوا ممثلةً إباحيّة في قاعة الشرف لواحدة من أرقى جامعات العلم والعالم على الكرسي الذي جلس عليه أساطينهم في العلم والأدب لتحاضر عن النجاح والثقة! في جوٍ يدوّي فيه التصفيق وتُدفئه حرارة الاحتفاء.
إنّ اللواط والسحاق وكل مساوئ الأخلاق
-التي يدعو إليها الغرب ويحميها ويرتّب العقوبات على من ينتقدها- ليست مظهرًا
لازمًا لإتاحة الحريات وحفظ حقوق الناس على اختلاف أجناسهم ومشاربهم، ولكنّها
مظهرٌ لازم لكل إفراط في ذلك وغلو. فإن كان الغلو في الحريّة هو التفسير القانوني
لانحطاط الغرب فإنّ الشبق والسُعار هو الذي ابتزّ أهل القانون والحقوق وألزم
الغالين منهم بلوازمَ ما وجدوا منها مخرجًا من عقيدةٍ ولا وجدوا لها حلًا من
تشريع.
لقد كان العالم الغربي في القريب الداني
يسير منفكًا عن القيم، يعرف الحقَّ ولكنّه لا يلتزمه لكبرٍ أو هوى ويعرف الباطل
ويقترفه مع علمه بأنّ الحق حق والباطل باطلٌ، أمّ الآن فقد انتهت هذه الفترة..
وهذا الزمان زمان الانقلاب على القيم
فالحق هو عين ما كان باطلًا والباطل هو عين ما كان حقًا، ولذا فإنّ كل حوارٍ بين
الشرق والغرب في العقائد والأديان هو حوارٌ متعجلٌ سابقٌ لأوانه، والحوار المقبول
الآن مع نُخب الغرب ومسيّريه والقابضين على خطامه -أو هم مطلقوه على التحقيق- إنما
ينبغي أن يكون حوارًا يقرّبهم إلى الفطرة الإنسانيّة قبل كل حوارٍ عما يصحُ من
العقائد أو لا يصح..
إن إصابة الأمم في أخلاق أبنائها هي
إصابةٌ في مقاتلها، وإذا انحطّت أخلاق الأمّة آذنت حضارتها بالأفول.
هذا قول التاريخ وهذه سنّة الله في الحضارات
وقد سلك الغرب المسلك الذي فيه هوانُه، ونهايةُ المسلك غروب الغرب وأفول نجمه. وقد
قال أحدُ حكمائهم قبل قرن: "إذا كانت سنن الماضي سننًا للمستقبل؛ أمكننا أن
نقول: إن أسوأ حالٍ تُصاب بها أمّة هو أن تبلغ هذه الأمّة درجةً عالية من الذكاء
والثقافة، فالأمم تهلك عندما تأخذ الصفات الخلقية التي هي لُحمة روحها في الفساد،
وهذه الصفات تفسد عندما تسمو حضارة هذه الأمّة وذكاؤها"
وقد أخذت صفاتها الخُلقيّة في الفساد
ولا يؤخر زوال الغرب إلّا قوةٌ حربيّة مصيرها إلى الترهّل، ولذا يسعى الغرب إلى
إغراق العالم بأسره في هذا الوحل حتّى لا تصعد حضارةٌ على حضارتهم، وقد وجدوا آذانًا صاغيةً لخطابهم في كثيرٍ من بلدان الشرق مما كان يُظنُّ بها النجابة،
وتتوفّرُ فيها أسباب الصعود.
وللغرب الحديث سطوةٌ في الدعاية
والإعلام لا تماثلها في المقدار إلّا جفوةٌ عن الحق وتحكّم في القوانين والآداب،
وقدرةٌ على تطويع حقائق العلوم لتأويل أهوائهم ورغائبهم، وما لهم لا يفعلون ذلك
وهم أرباب العلوم الحديثة ومُستحدثوها! وما العلمُ إلّا ما أسموه علمًا والجهل كل
الجهل ما لم يجربوه!
فلو كانت الأمم الشرقيّة هي المتطبعة بما عليه الغرب الآن من الشبق والسعار، وكانت أمم الغرب على ما عليه الشرق من الحفاظ؛ لكان كتّابهم ومفكروهم من المتعصبين وغيرهم يقولون: إنّ انحطاط الشرق يوافق مقادير عقولهم وأنّ ما هم فيه هو بقيّةٌ فيهم من الرتب العالية من الحيوان على ما تقرره نظريات النشوء والارتقاء ولجوّزوا للرجل الأبيض أن يستعمر البلاد ويقتل العباد في سبيل تحمّل أعباء الأمم المتخلفة، فهذا دأبُ الغرب وهذه غطرسته، فما الحق إلّا ما رأوه حقًا في حاضرهم، فإذا هم بدّلوا ما رأوه؛ حاسبوا الأمم التي التزمت ما التزموه في ماضيهم إن لم يبدّلوا تبديلهم، وهذا دين القوّة المتعهّرة أو دين التعهّر القوي!
لكنّا نقرر أخيرًا أنّ الحضارات التي
ظهرت بالقيم والأخلاق وحافظت على نظامها الأخلاقي؛ لا تزول بضعف قوتها العلميّة والحربيّة،
بل تستمّر ما بقيت أخلاقها، والحضارات التي لا تصدُر في قوانينها عن الأخلاق لا
يمنعها من الزوال إلّا القوّة الحربيّة.
إنّ من الخير للإنسانيّة أن يثوب الغربُ
إلى الفطرة السويّة، ليقترب بالحوار العالي، وليس من الخير للغرب ولا للإنسانيّة
أن يُمعن مجذوبوه في جموحهم السادر وهم بهذه القوّة الهائجة المتعهّرة، والواجب الذي
ليس أوجب منه على عقلاء الغرب هو أن يأخذوا بأيدي همجهم ويُخرجوهم من مرابض
الأنعام أو من مباءة الشياطين..
تعليقات
إرسال تعليق