التخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمود شاكر.. الشبهة المنفية في تهمة السلفية!




نشر الباحث الدكتور عبدالغفار عبدالرؤوف رسالته التي نال بها درجة الدكتوراه الموسومة بـ "المساجلات الفكرية بين محمود شاكر ومعاصريه" وأخذ في الرسالة منذ مبدئها إلى نهايتها موضع المدافع عن الشيخ محمود شاكر، وحشى الرسالة بتقريظ منهجه في الدراسة والتحقيق حاثًا القرّاء على اقتفاء أثر الشيخ وتمثّل منهجه ولزوم مسلكه، فجزى الله الدكتور عبدالغفار خيرًا على موعظته وتذكيره..

ولكن الباحث الدكتور في رسالة الدكتوراه التي بها حبب الناس في لزوم منهج الشيخ لم يلتزم منهج الشيخ في كل ما أتى به في الرسالة، وكنّا نظن به الالتزام، بل نظن أنه أجدر بالالتزام..

فقد نكب نكوبًا عن منهج الشيخ وذلك في مبحثه الذي أراد فيه الإخلاص للشيخ ودفع "التهم الموجهة" إليه، فجعل من أبرزها "صلته بالحركة السلفية" وهي تهمة فظيعةٌ عنده ما زال يهيئ لها منذ بداية الرسالة بالتلميح والتعريض، وما استطاع أن يدع التصريح بها، فأقحمها على غير سياقٍ ولا اتصال قبل خاتمة الكتاب بثمان صفحات..

نفى الباحث الدكتور تهمة السلفية عن الشيخ محمود شاكر، فكيف نفاها؟ هل لَزِم مسالك التحقيق التي استحسنها من الشيخ وكان أحرى به أن يلتزمها؟ ثمّ ماذا استقصى من أحوال الشيخ وماذا استقرى؟ وهل ذهب يطلبُ هذا النفي من سيرة الشيخ ومؤلفاته وتحقيقاته وقرائنه وأحوال أهله وشيوخه وأصحابه؟ كلا.. لم يكن من ذلك شيء! فكيف نفى؟

جعل الدكتور عبدالغفار -على طريقة الدكتور طه حسين- يهيئ للنفي بالحيلة الظريفة، فعرض شيئًا يقول إنه من أمارات القائلين بسلفية الشيخ، وهو أنّ الشيخ "عدّ محمد بن عبدالوهاب من المجددين" وساق حديث محمود شاكر الذي ذكر فيه هذا وهو قوله -رحمه الله-: "وهب ابن عبدالوهاب يكافح البدع والعقائد التي تخالف ما كان عليه سلف الأمة من صفاء عقيدة التوحيد، وهي ركن الإسلام الأكبر، ولم يقنع بتأليف الكتب بل نزل إلى عامة الناس في بلاد جزيرة العرب، وأحدث رجةً هائلة في قلب دار الإسلام"

وقد اقتصر الباحث الدكتور على هذه الأمارة التي ساق بها كلام الشيخ من غير مساق وأنهاه في غير منتهى وقد أحسن التهيئة بذلك إذ ابتدأ السوق حين يقول الشيخ: "وهب ابن عبدالوهاب" التي توحي عند الخاطر الكسول أنّ الشيخ لا يسلّم بهذا. ثم أنهى السوق عند الرجة التي أحدثها بقلب دار الإسلام!!..

ثم احتال حيلةً "طاهويةّ" أخرى وهي أنّه ذكر هذه الأمارة ولم يذكر غيرها من الدلائل، وفي هذا تصويرٌ للقارئ بأنّ الأمارات قليلة، وقد تنطلي على القارئ الحيلة فيظن ذلك ويظنّ أن هذا الحديث العابر هو الدليل الذي ينتقض بنيان التهمة من أساسه حين يردّ الباحث الدكتور عليها، والحق أن الذين يقولون بسلفية الشيخ لا يضطرون لذكر هذا النص فلا تحوجهم شمس الهجير إلى مصباحٍ صغير، ومهما يكن من شأن دلائلهم فإنه ليس إلينا بيان تلك الدلائل ولا ردّ ما يستحق منها الرد، وليس من شأننا هنا أن نقضي بسلفية الشيخ ولا بنقضها، ولكن الذي بنا هنا هو بيان المنهج الذي سلكه الباحث الدكتور. وذاك يقتضينا أن نقبل التنزّل بعد التنزّل بعد التنزّل في دحض هذا المساق حتى لا نقضي على جهد الباحث المضني من أوله، لنطّلع ونُطلع القارئ على الحجة الدامغة التي يقضي بها على هذا البنيان الضخم من الأدلة المحشودة! التي أضناه جمعها وصفها وترتيبها والتنقيب عنها وتحقيق مواضعها، فما هي الحجة؟

يقول الباحث الدكتور:

"والحق أنّ علاقته بالسلفية تتلخص في موقفٍ يسجله لنا الأستاذ الدكتور حسن الشافعي -رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة- حيث كان مقيمًا بالمملكة العربية السعودية إبان تسلُّم الأستاذ محمود شاكر جائزة الملك فيصل، فقصد الفندق الذي أقام به الأستاذ شاكر، وما أن اقترب من غرفته حتى سمع صوته غاضبًا، فإذا به يُعنّف الألباني، على طريقته في التعامل مع أكابر علماء الأمة"

ثم يقول الباحث الدكتور مستنتجًا بعد كد الذهن في التحليل: "فموقفه هذا من الشيخ الألباني، وهو من أكابر اتباع ابن عبدالوهاب، وكونه يقول هذا في بلد ابن عبدالوهاب، وكونه يقول هذا إبان تكريمهم له، يدل على أنه صاحب مبدأ لا يتغيّر ولا يتلوّن" ا.ه.

وإني لا أعلم كم قضى الباحث الدكتور من وقت في التنقيب عن هذا الدليل العظيم، ولكن لابد أنّ الاتصال بالأستاذ الدكتور حسن الشافعي -الذي استمع لصوت محمود شاكر الغاضب- قد كان صعبًا، وقد كان الدكتور حسن مناقشًا للرسالة، فلا يحسبنّ أحدٌ أنّ الاتصال بالمناقشين سهلٌ يسير! بل إنه منتهى الاستقصاء والتحري والتحقيق..

 

يروي الباحث الدكتور هذا دليلًا ينقض به الشبه المضللة المحشودة!، وهو يروي فيما يروي أنّ هذه طريقة محمود شاكر في التعامل مع أكابر علماء الأمّة، فما الاختصاص إذن في هذه المرّة كي يقتنصها الباحث الدكتور لدفع "التهمة"؟  ثمّ متى كانت الحدّة في السلوك -وإن صدرت ممن لا يحتد دعك ممن عُرفت عنه الحدة- دليلًا قاطعًا جازمًا تُدفع به مثل هذه التُهم؟! أو يقضى به في عقائد الرجال ومذاهبهم؟ وهي بعدُ حدةٌ مصروفة للألباني لا غير، لا نعلم من الخبر المروي أنها تتعداه، وما الألباني إلّا رجلٌ من رجال، وإن كان جليلًا..

ثم إن الحركة السلفية فكرةٌ ليست مترابطةً في ذهن الباحث، ولم يذكر مقصوده بها ولم يعيّن مراده منها، ولكنه جعلها طيفًا متشعّبًا يمتد شعاعه إلى محمد بن عبدالوهاب والألباني والمملكة العربية السعودية وجائزة الملك فيصل، ومع ذلك فقد حلل الباحث الدكتور وربط وعقد، وقرن حدة محمود شاكر بالألباني ثم أردف شيئًا بشيء إلى أن قال " فموقفه هذا.. وكونه يقول.. وكونه يقول" ليخلص إلى نتيجة استدل بالمقدمات "المنطقية" عليها، وهي أنّ الشيخ صاحب مبدأ لا يتغير ولا يتلون!

ولسنا نعرفُ بعدُ ما هو مبدأ الشيخ محمود شاكر الذي يرفض تغييره وتلوينه حين يغضب من الألباني. ولسنا نطمح لهذا العرفان الذي ربما لن يكون إلّا بالوحي والذوق والإلهام، فلم نعرف بعدُ ما هو دونه في مراقي العرفان، وهو معرفة سبب غضب الشيخ: فهل كان غضب الشيخ من الألباني لأمرٍ من الأمور الخلاف في الأصول التي يكون الخلاف فيها يقتضي المفارقة والشقاق، أم كان لفوز ليفربول أو خسارة الأهلي!


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

قرية المواعيد

كانت الأوراق العالقة بين أغصان الزيتون تُشبه أن تكون بقايا من رواية طويلة أو لعلّها تشبه أن تكون فصولًا من كتاب ضاع عنوانه وضاع بعضه، أو قصةً من جملة قصصٍ كانت مجموعةً في غلاف، أو لعلّها طرفًا من مذكّرات تفرقت هنا وهناك..  ولم تكن تلك الأوراق كثيرة، غير أن القليل منها كان يكفي ليُشعر قارئها أنه عثر بحياة كاملة ممزقة، حياة لم تستطع أن تتم في صاحبها، فحاولت أن تتم في العبارة.. وفي كل ورقة منها أثر يدٍ متعجّلة، أو قلبٍ يريد أن يقول شيئًا قبل أن… قبل ماذا؟ لا أدري ولعلّ كاتبها لا يدري كذلك..  كُتب في بعض هذه الأوراق:  {عين الحكاية تنفتح على السهل انفتاح الفجر على المروج، فتمر بحصى الرمل المتناثر على أديم الأرض، وتمر بجدولٍ هزيل ضامر يشبه وخط الشيب أول ظهوره في عارض الشاب الفتي، ثم ترتفع إلى حقول القمح وهي تنحني للريح مع كل عصفٍ من عصفها وكل نسيم من نسيمها، تنحني للريح ولا تنكسر له. ثم تمتد النظرة وتنسحب حتى تبلغ الجبال الرمادية في أقصى المشهد، وهي قائمة في سكون الشهود الذين رأوا كل شيء وعجزوا عن أداء الشهادة ورواية التاريخ..  وبين السهل وتلك الجبال كانت القرية التي سماها...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...