كتب
يوسف سمرين كتابًا نقد به أبا جعفر الخليفي في منهجه وفي طريقة أخذه عن السلف
وتوظيفه لأقوالهم، أسماه: "باسم السلف - نظرة نقدية في طرح عبدالله بن فهد
الخليفي" يقع الكتاب في 148 صفحة من القطع المتوسط وهو من منشورات مكتبة مسك
بالأردن لعام 2024.
والكتاب
حسن العرض واضح اللغة.. وهو في الجملة جيد التعقّب والكاتب يُحسن هذا الضرب من
التأليف وله نفسٌ في ملاحقة الحجج وجمع الأقوال والمعارضة بينها، وهو إذا اعتمد
أصلًا أحسن البناء عليه في الغالب، فالذي يُريد أن يردّ على الكاتب ينبغي له أن
يخالفه في أصله لا في بنائه حتى يُحسن الرد.. يبدأ الكتاب ببيان اختلال منهج
الخليفي في الأخذ عن السلف ثم يبيّن اضطراب هذا المنهج في اعتماد أقوالهم أو هو
يبين على التحقيق انعدام هذا المنهج، ثم يمضي الكتاب في تبيان ضعف الخليفي ونقص
تحصيله ثم يختم الكتاب بإلمامة يستعرض فيها التاريخ الذي تأثر به الخليفي ويستعرض
أحوال المشائخ الذين تأثرهم.
فأتى
كتابًا رشيقًا مضبوط النظام، غير أننا نريد أنّ نستدرك شيئًا يجلو الكتاب وينقّيه
ولا يعيبه، ولولا أننا وجدناه في أول الكتاب قبل أن تُدرك الكاتب المشقّة لما كنّا
نلتفتُ إليه.
***
بدأ
يوسف سمرين كتابه بفصلٍ بعد المقدمة أسماه "خرق الإجماع" وهو فصل في
إثبات تناقض الخليفي ونكوصه عن منهجٍ يدّعيه فيما يتصل بمسألة الإجماع، فأثبت
للخليفي كلمةً يقول فيها مستنكرًا على الإمامية: "لا تبقى إلا رواية ابن بكير
الفطحي عندهم، فخرقوا إجماع الأمة برواية كافر عندهم" وهو -أي يوسف سمرين-
حين ساق هذه الجملة يُريد أن يُثبت للخليفي أصلًا يُقرّه الخليفي ليفحص بعد ذلك
اتساق الخليفي مع هذا الأصل..
فثبت
إذًا عند يوسف سمرين وعندنا أنّ الخليفي يُنكر خرق الإجماع بمخالفة كافر..
وفي
دوران هذا الحديث ساق يوسف سمرين من كلام الخليفي ونقلهِ ما يُثبت أن الخليفي
يشنّع على الذين لا يكفّرون الواقفية (=القائلين بالوقف في مسألة خلق القرآن)
ويرمي الذين لا يكفرونهم بالتمييع وينقل الإجماع على أنّ الرواية لا تجوز عن كافر،
وينقل عن سلمة بن شبيب في هذا أنّه قال: "من لم يشهد على كفر الكافر فهو كافر"
ثم هو مع ذلك -أي الخليفي- يروي عن الواقفية ليكون الخليفي بذلك قد أتى عند يوسف
سمرين عين ما عابه على الإمامية.
ونحنُ
لا نرى هذا كافيًا في إثبات تناقض الخليفي في هذه المسألة فقبول الرواية عن كافر
غير قبول خرق الإجماع برواية كافر، بل إنّ الاحتجاج برواية كافر غير الاعتضاد
بروايته..
لكن
يوسف سمرين مضى في غير ما أراد إثباته وكأنه أخطأ الانعطاف في طريق التتبع،
فاستعاض عن ذلك بأن قال إن الخليفي يستشهد بحديث في سنده يعقوب بن شيبة وهو واقفي،
وروى -أي يوسف- أنّ الخليفي نقل كلام عبدالوهاب الوراق حين "ذكر يعقوب بن
شيبة وابن الثلاج، فقال: جهمية زنادقة" ثم نقل يوسف سمرين تعليق الخليفي على
كلام عبدالوهاب الوراق:
١-
"قلتُ [والكلام للخليفي]: الله أكبر هذا نصٌ شديدٌ، وما أعلم أحدًا تابع
الورّاق على هذا، غير أنّ الوراق كان رجلًا جليلًا يحبه أحمد ويجله"
ثم
ساق يوسف سمرين كلمةً أخرى للخليفي يقول فيها:
٢-
"حكم عبدالوهاب الوراق -كما في الإبانة لابن بطة- على يعقوب بن شيبة بأنه
زنديق، وهذا يتوافق مع قول أحمد في الواقفة زنادقة"
ثم
يسوق يوسف سمرين كلمةً أخرى للخليفي يقول فيها:
٣-
"حكم عبدالوهاب الوراق بزندقة يعقوب بن شيبة المحدِّث وما أنكر عليه
أحد"
ثم
يصل يوسف سمرين للنتيجة فيقول:
-
"وهكذا يجعل [يعني الخليفي] من قول واحد بعينه في شخصٍ بعينه على أضرب
١-
مرة انفرد به صاحبه فلم يتابعه عليه أحد
٢-
ومرة يتفق مع كلام أحمد
٣-
ومرة لم ينكره عليه أحد!
فباسم
السلف كان يستطيع نقل القول الواحد في الشخص الواحد من رميه بالانفراد، إلى
الإشارة إلى الإجماع السكوتي عليه" انتهى كلام يوسف سمرين وكلام الخليفي. وتتبع
يوسف سمرين للخليفي حسن غير أنّه ينقطع قليلًا إذا استطرد.. فالخليفي في كلامه
الأول حين حكى الانفراد كان يقصد انفراد الورّاق في الحكم على يعقوب بن شيبة وابن
الثلاج -عينيهما- بالجهمية والزندقة، أمّا الخليفي في كلامه الثاني حين قال:
"يتوافق مع قول أحمد في الواقفة زنادقة" إنما كان يقصد اتفاق الورّاق مع
أحمد في حكمه على جماعة الواقفة بالزندقة لا اتفاق الوراق مع أحمد في زندقة يعقوب
وابن الثلاج بعينيهما.. فلا معنى من جعلهما موقفين متمايزين يصحّ أن يُشار بهما
إلى اختلال القول.. وأما كلام الخليفي الثالث حين قال: "وما أنكر عليه
أحد" فهو لا يتناقض مع قوله في الكلمة الأولى: "وما أعلم أحدًا تابع
الوراق على هذا" فهو في الكلمة الأولى يذكر ترك المتابعة وفي الثالثة يذكر ترك
الإنكار وترك المتابعة لا تستلزم الإنكار كما هو معلوم وإن كان الخليفي قد أخرج
الكلام على مخارج ولوّنه كما يريد، لكنّه يقرّب بين كلمتيه حين يكمل الجملة فيقول:
"غير أنّ الوراق كان رجلًا جليلًا يحبه أحمد ويجلّه" فهو بهذا يقوّي
كلمة الورّاق في يعقوب بن شيبة، فإذًا في الكلمة الأولى والثالثة يتسق الخليفي مع
نفسه حين يوجّه العبارتين إلى الحيطة من يعقوب بن شيبة وإن كان في الأولى يرقق
كلامه وفي الثالثة يتخفف من الترقيق لاقتضاء المقام.. وإلّا فالخليفي متسق في
توجهه وهو قد أقام المقالة التي وردت فيها الكلمة الأولى رأسًا على نقم مسألة
الوقف على يعقوب بن شيبة، فبعد أن ذكر قول العلماء في إظهار منزلته من العلم استدرك
على أقوالهم ليقول إنّ منزلته لا تقيل هذه العثرة وليقول لنا إذا كان يعقوب بن
شيبة قد استحق هذا الوصف وهو من هو في العلل والرجال وكان قد استحقه وهو واقفي ولم
تؤثر عنه بدعة أخرى وله في هذه البدعة شبهة اتّباع، فغيره من القائلين بالخلق ومن
منكرة العلو هم بالوصف أحق وأولى.
فإذًا
لم يكن الخليفي مضطربًا في تشدده بل هو متسقٌ في هذا المزاج، وإن أورده هذا
المزاجُ التناقضَ في كثيرٍ من الشؤون، وأقول مزاج لا منهج لأنّ غلبة المنهج على
المزاج تضبطه وغلبة المزاج على المنهج تضيّعه، واتساق مزاج الخليفي وكثير من
القائلين "باسم السلف" هو في أنّهم يجعلون مبتدأ العلم ومنتهاه في علم
الجرح والتعديل، ومبتدأ القراءة ومنتهاها في كتب الخلاف وهم مع ذلك لا يبذلون
أسباب العلوم بل يخوضون فيها، أيّ أنهم لا يتعلمون العلم بل يتعلمون عن العلم
وغاية ما لهم فيه هو حكاية الأقوال وتصنيفها، وهم لا يعلمون فقه الرواية ولا يحققون
القول إلّا في ثبوتها ووضعها ولا عليهم بعدُ من نقدها وتمييزها. ومما يحملهم عليه
هذا المزاج هو أنّه يجعلهم أولًا يحدّون "السلف" ودائرة السلف عندهم
أضيق من صدورهم، ثمّ كل عملهم بعد ذلك أن يتتبعوا من طعن فيه السلف، فإذا اجتمع في
الواحد من الأولين مدحٌ وقدح فسوء الظن هو المقدّم وإحسانه هو المحل الثاني، وإنما
يتكثّرون ببعض المجروحين لا على القبول ولكن على الريبة والظنة ولا يتكثّرون
بمجروح إلّا في جرح غيره ولا يُحسنون الظنّ في متهم إلّا أن يكون سليط اللسان
مسترسلًا في التكليم.
وبعدُ.. فكنّا نُحبُّ أن يطول الفصل الأخير من الكتاب فهو فصل في البحث عن تأثّر هذا المزاج وظروف نشأته، وحقّه أن يُفرد في كتاب كي يحتمل النقاش، على أننا فهمنا من هذا الفصل أن الكاتب يُرجع أسباب طعن الخليفي في الإمام أبي حنيفة لأمورٍ تعلّقها الخليفي من الحرب على أفغانستان التي احتكّت فيها طائفة من السلفية بالجماعات الديبوندية وأنّ الخليفي نقم على الأحناف والإخوان لما حدث من النزاع الذي سقط به مشروع الدولة الإسلامية السلفية في ولاية كُنز" واغتيل به زعيمها السلفي جميل الرحمن، ولما حدث من مقتل بعض السلفيين بعد دخول الجماعة الحنفية "طالبان" إلى كابل. ونحنُ نرى أن القضية ليست قضية نقمة وأحقاد وإنما هي قضية مزاج نفسي لا يختص أبا حنيفة بالقدح بل يشمل النووي وابن حجر والسيوطي وغيرهم من الأئمة والأعلام فلا بدّ أن يستفيض الكلام ويتوسّع حديث التاريخ لينتظم أكثرَ ملامح هذا المزاج ومنازعه.
تعليقات
إرسال تعليق