التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أيام في إكسبو 2025

 


زرنا معرض إكسبو في بعض ما زرنا في مدينة أوساكا، ومعرض إكسبو معرض عالمي تجتمع فيه دول العالم لتعرض كل دولة عوائدها وأعرافها، وفيه تكثّف الدول عرض تراثها وعرض آمالها على السواء، وخلاصة ما تريده الدول في هذا المعرض هي أن تُعرّف بوضعها من التاريخ ووضعها من الجغرافيا وأن تؤدي رسالتها لمن لا يعرفها وأن تدعو الناس إلى الاقتراب منها.. فإكسبو هو سوق عكاظ العالم فيما كان يشتمل عليه سوق عكاظ في غير البضائع والتجارة..

وفي إكسبو تحرص كل دولة على إظهار ثقافتها في كل تفصيلة من تفاصيل المساحة المخصصة لها في المعرض، وأقدر الدول على التسويق هي التي تجعل بنايتها شكلًا من أشكال عرضها وتعريفها.. وفي إكسبو يجوز لنا أن نحلل منازع الدول كما نحلل منازع النفوس بل إنّا نخلص بنتيجة تُقارب الصدق على نحوٍ من الأنحاء، ويسري هذا التحليل حتّى على الدول التي تقصّر في عرض ثقافتها، فإن خرج زائر دولةٍ وهو خالي الوفاض من المعرفة بهذه الدولة، فقد خرج كذلك بمعرفة تقول له: إنّ هذه الدولة مقصّرة في الدعاية لنفسها وأنّها ضعيفة في ميدان القوّة الناعمة كما يسميها جوزيف. س ناي وبقية المنظرين للقوة الناعمة، أو تقول إنها تظن أنها مستغنية عن التعريف!

دخلنا المعرض فرأينا جناح أميركا يتوسّط المعرض ويزدحم اليابانيّون على مداخله، وجناح أميركا هو أشد الأجنحة ازدحامًا في المعرض مدة بقائنا فيه وعلى طول الأيام التي زرناه فيها.. رأينا الجناح وجُزنا به دون أن يُلحّ علينا الفضول بدخوله، فدعاية الأمريكان في كل مكان، ولا نظنّ أنه فاتنا في الجناح شيء وإن فاتنا أن نرى انطباع اليابانيين عن جناح أميركا، وعلاقة اليابان بأميركا تستحق العناية لأنها علاقة الغالب بالمغلوب الذي أعجبه أن يكون مغلوبا.. وجزنا بجناح فرنسا كذلك وقد علمتُ أنها تعرض ثقافة الخنا والشذوذ التي تسميها حقوق المثليين، وفرنسا دولةٌ متهوسة، بنت مجدها بعد ثورة 1789 على قيم الحرية والعدالة والمساواة ومن فرنسا امتد شعاع هذه القيم إلى أقطار أوربا وإلى ما وراء البحار، وتأثّر الأوربيّون ومن وراءهم بهذه القيم وبهذه الثورة، فصارت فرنسا تعرّف نفسها بهذه القيم وتخط سياستها على نتاج الثورة.. وصارت فرنسا ترى أن فرنسا هي الثورة وأن الثورة هي فرنسا، ولذا كانت ترى من واجبها أن تسبق أوربا خطوةً في الحرية وإن جاوزت الحرية حدود الإنسانية إلى البهيميّة، وفرنسا دولة تريد أن تكون فاعلةً في أوربا بعدما ضعفت في الحرب العالمية الثانية وهي تُريد أن تكون قطبًا في العالم وترى في انتشار الإنجليزيّة خطرًا على لغتها وفي صعود ألمانيا خطرًا على سياستها، وقد ارتاحت إلى زعامة الاتحاد الأوربي بعد خروج بريطانيا من الاتحاد عام 2016 كما ارتاحت من قبل بتكبيل الأمريكان لشيطان ألمانيا..

وجزنا بألمانيا دون أن ندخلها وعلمنا منها مثل ما علمناه عن فرنسا من عرض المثلية، غير أنّ دوافع ألمانيا غير دوافع فرنسا، فإن كان دافع فرنسا هو التأكيد على قيمها الثورية التي عرفت نفسها بها، فإن دافع ألمانيا هو التأكيد على اليسار المنفتح بعد تأكيدها على اليمين النازي في الحرب العالمية الثانية وهذه من مذاهب النفوس إذ تطلب نفي صفةٍ عنها بالإيغال في نقيضها..

وزرنا من دول أوربا: أسبانيا والبرتغال وبلجيكا وغيرها من الدول.. والسمة الغالبة على عروض هذه الدول هو أنّها تدعو إلى الصحة وحماية البيئة.. وأمر أوربا في ذلك عجيب، فبعد أن أفسدت البيئة بالانبعاثات الناتجة عن المصانع والآلات رأت أن تحتكر الصناعة بأن تقيّد الدول النامية بمنظمات حماية البيئة وتشريعات "الاحتباس الحراري" و "طبقة الأوزون" و"الغطاء النباتي"، وإن كانت لا تخلو هذه الدعوات من أصوات المخلصين الصادقين في دعواهم.

ثمّ مررنا بالدول الإسلامية والعربية، وكان أوّل ما طفنا به هو جناح إندونيسيا.. وقد كان جناحًا باهرًا نقلت فيه إندونيسيا صورةً سليمةً عن إقليمها ولم تكتفِ بالمشاهد بل نقلت لنا طبيعتها وأجواءها، فقد أدخلونا في رواقٍ كانوا قد وضعوا به أشجارًا من غاباتهم وجعلوا الرواق حارًا رطبًا يحكي مناخ الأقاليم الاستوائية، غير أنّه مما نقص هذه الصورة هو أنّها لم تعرض شيئًا عن إسلامها، ومن عجبٍ أن تكون أكثر دولةً في تعداد المسلمين ولا تقول للناس شيئًا عن ديانة شعبها وإن كانت قد قالت أشياء عن طقوس الوثنية الباقية، وقد عجبنا طويلًا من معارض الدول الإسلامية التي زرناها حتّى برد العجب.

ثم طفنا بالدول العربيّة..

وعلى كثرة الدول العربية المشاركة في المعرض إلّا أنّ الأجنحة التي استحقت الزيارة هي أجنحة دول "الخليج" والأردن، وأمّا باقي الدول فقد كان حضورها كيلا يُقال أنّها لم تحضر، فمشاركتها أشبه شيءٍ بالغياب. واتفقنا على أنّ عرض الأردن كان أكمل العروض على صغر الجناح وقلة الرياش، وكانت الصورة التي عرضها جناح الأردن أصدق صورة لبلد عربي عن أحواله، وكان الاعتزاز بالتاريخ وبالعروبة باديًا على الجناح، وقد جلبوا شيئًا من ميراث الضيافة العربية وجلبوا تربةً من وادي رم ومن شاطئ البحر الميت، وكانت لهم نافذة سمعية لمن يريد سماع صوت الشوارع في عمّان، وكان الصوت مزيجًا من همهمات عربية ومن خلفها صوت الأذان.. وكان جناح الأردن أحفل الأجنحة بالزوار العرب، فأكرمونا وأغدقوا علينا فيضًا من الحفاوة واللطف، وبعدُ فالشكر للقائمين على الجناح وأخص الدكتور أحمد جبران والمهندسة آلاء عمرو والمخرج حمزة محفوظ، وعلى أنّي اختلفت وصحبي في معايير التقييم إلا أننا اتفقنا على أن مشاركة الأردن كانت أفضل مشاركة عربية مع فارق التكلفة. 

وزرنا جناح السعودية وهو أكبر جناح في المعرض بعد جناح الدولة المستضيفة وهو جناح فاخر، روعيت في تصميمه تفاصيل تُلحظ في النظرة الأولى وتفاصيل لا تُلحظ إلا بعد إنعام النظرة وإجالة التفكير وقد كان مقصدًا للزوّار.. ولكنّه في المجمل كان دون المأمول بالقياس إلى كونه قد فاز بأفضل جناح في إكسبو دبي 2022، ولم تكن لغة الخطاب عربية ولا يابانية! والذي يدخل إلى جناح السعودية في اليابان يخرج منه وهو يُلخّصه بأنه جناح لا يقول لك في عروضه المباشرة شيئًا عن السعودية كيف هي وكيف كانت ولكنّه يقول كل شيء عن "كيف ستصير"، وجناح السعودية جناح للمستقبل وكلمته المسموعة من خلف العرض: "إننا تغيرنا وإننا نتغيّر".. ونحن في هذه الملاحظات نصوّب النظر إلى الثابت الدائم في أجنحة الدول لا في المتغير الذي يتمثل في الفعاليات المصاحبة التي تُدرك زوارًا وتفوت غيرهم..

ولم نجد قطريين في جناح قطر على طول اليومين، ووجدنا قطر في جناحها قد أسرفت في وصف الجغرافيا، وكأنها تُريد بذلك أن تُعالج ما يُعيقها من صغر المساحة، وأحسنت قطر -فيما أحسنت- استعراض ملبوس الرجال وملبوس النساء وقد جعلت بناية الجناح على شكل خيمة واقتبست من قصائد شعرائها أبياتًا وضعتها في الممرات على الجدران..

وحكت الإمارات قصّتها في الفضاء وقصّتها في الطب والرعاية وقصتها في الاستدامة، وعنوان جناحها: "من الأرض إلى الأثير" وجعلت أعمدة جناحها من أعواد النخيل وجسّمت المركبات الفضائية بنسيج من السعف لتقرن الماضي بالمستقبل وتقرن التراث بالتقانة، ولم تقل بعد ذلك شيئًا عن إنسان الإمارات.

وأبدعت البحرين في عرض نفسها، إذ عرّفت بالحواس الخمس، فجعلت مما يُرى: معادن أرض البحرين، وجعلت مما يُشم: روائحَ من تُربة البحرين ومن بخورها وأعوادها، وجعلت مما يُلمس: موادًا مما تُصنع به قوارب الصيّادين، وجعلت مما يُسمع: صوت الشوارع في المنامة وصوت المواويل الشعبية، وأذاقت الناس شيئًا من مطعمها. ولا أنسى في جناح البحرين سيدةً حُرة عرفت العروبة في وجوهنا وعرفنا العروبة في شهامتها فاحتالت على أن تفتح لنا مسارًا غير مسار الزائرين واجتهدت في تلخيص فكرة الجناح ورسالته، والعرب يحنّون للعرق واللسان في البلد التي يكون الفتى العربي فيها غريب الوجه واليد واللسان ومهما ظن العرب أنهم مختلفون فإنّ الغُربة توحّدهم والغريب يجعلهم في حكم الواحد.. والذي اشتركت فيه دول الخليج المتقدمة هو أنّ الأبهة في المعمار والدقة في الطراز ظاهرةٌ في المباني، فاستنطقوا بذلك البنيان ليقول في صمته شيئًا ما، وليقولوا هم بهذا الصمت ما احتالوا على ألّا يقولوه بالمباشرة..

ومررنا بالكويت فوجدناهم قد أعدّوا متكأً جلبوا إليه فرقةً تُغني شيئًا من الفنون الشعبية، واجتمع إليهم العرب يريدون صوتًا عربيًا بين الرطانات، واجتمع إليهم اليابانيّون مستأنسين طربين.. وجعل الكويتيّون قاعةً كبيرة لعرضٍ بصري لا يؤدي معنًى غير الإبهار، وربما جعلوه لجذب الزائرين لباقي أروقة الجناح، وقد أحسنوا التعريف بتجارة الكويت الأصيلة قبل تجارة البترول والغاز، فوضعوا خارطةً متفاعلة تبيّن خطوط التجارة القديمة التي تمر بالكويت وتبيّن بضائع الكويت التي تصدّرها وتورّدها.. وكان موظفو الجناح يُظهرون الحفاوة وكرم الاستقبال ولا تند عنهم النكتة العابرة التي لا تفارق مرح الكويتيين.

وجناح عمان كان يحكي قصة الماء وقصة المحيط وهي قصة فيها سر الصمت وفيها سر الهدوء وهما سر عمان في سياستها وفي أخلاق شعبها، وكانوا أوردوا عبارة ظريفة في تعريفهم لأنفسهم أرادوا بها إظهار المشترك بينهم وبين اليابان، فقالوا إن عمان أوّل دولةٍ عربية تشرق عليها الشمس.. إذ كانت اليابان أول دولةٍ تُشرق عليها الشمس بإطلاق.

وكان مما وقع دون الآمال: هو حضور مصر، وكما كانت إندونيسيا كانت مصر، فالأولى بها أكثر مسلمي العالم والثانية بها أكثر عرب العالم فلا تلك عرضت تأثير الإسلام ولا هذه عرضت تأثير العرب ولا تأثير الإسلام، وقد عرضت حضارة الفراعنة وليته كان عرضًا به شيء من الإبداع.. ولكنه اقتصر على غرفتين، فالأولى يُطلعونك فيها على تاريخ مصر، وهو تاريخ أصفر، فيه موسيقى قديمة وفيه صور نُصب وتماثيل، والغرفة الثانية يُطلعونك فيها على مستقبل مصر، وهذا المستقبل الذي تؤمّله يراه الياباني ماضيًا في حواضر اليابان الكبرى وحاضرًا في قراها..

أما تونس والجزائر فحضورٌ كالغياب، وإن كنّا عجبنا من حضورهما فقد عجبنا من غياب المغرب عن مثل هذه المعارض، وهي أوفر دول شمال أفريقية على الاستقرار..

ورأينا جناح الكيان المحتل ولم يكن جناحًا يستقل ببناية خارجية وإنما كان غرفةً في قاعة مُجمّعة، فكأنّ جناحهم تُحيط به الدول هو وضعهم في الحقيقة إذ تحميهم الدول التي تعاضدت على الشر..

وحرصنا على زيارة جناح فلسطين وهو جناحٌ في قاعة مجمّعة أخرى، ورأيناه حين زرناه خاليًا ليس فيه من يستقبل أو يعرّف وليس فيه غير بعض اللوحات المصورة يظهر فيها المسجد الأقصى وأروقته ويظهر فيها الزيتون والكنافة، وليس يعرّف فلسطين في الألفية الثالثة شيءٌ أصدق من النزف والصمود والخذلان.

وزرنا تركيا، ولم يلفت ناظري شيء منها ولم يعلق بذاكرتي مظهر من مظاهرها، وما أحسب أنها عرضت شيئًا يستحق العلوق، وهذا مما عجبنا منه وأسفنا له.. وغابت إيران عن المعرض فخلا من حضارة الفرس.

وفي جناح تايلاند شممنا رائحة تايلند في مطبخها، وكوريا جعلت لها قاعةً رقّصت فيها الإضاءات في جوٍ أشبه بجو الـ "كيبوب" وأوزبكستان وضعت تمثالًا للخيول وقالت لوكسمبورغ إنها التي وحّدت بين الأوربيين، وزرنا دولًا كثيرة كثيرة نخاف إن ألمحنا إليها أن نعدل إلى الملل.

وما زال المعرض قائمًا والذي بقي منه أكثر مما مضى، ونرجو أن تتحسّن مشاركة الدولة العربية فيما تبقى من الشهور.

تعليقات