بدأت سنة 2026 بأحداث ملتهبة في كل مكان..
وطالبُ الوصف الدقيق تستوي أمامه مداخل التوصيف، فهذا زمان الافتراق بين نظامٍ مدبر ونظامٍ مقبل، وزمان الافتراق هو زمان الفوضى العارمة في كل مكان..
تطالع النشرات فتسيل عليك الأخبار من كل ناحية:
السعودية تحارب مشاريع الانفصال في اليمن والسودان..
أرض الصومال تطالب بالانفصال..
إيران تشتعل..
الولايات المتحدة تخطف الرئيس الفنزويلي وتطلب احتلال جرينلاند.
إسرائيل تقتل في غزة وتضم في الضفة وتقصف في لبنان وتعترف بأرض الصومال..
جبهة سورية تستعر وجبهة ليبيا تترقّب، ومصر في إبلاس..
أوربا تتأهب وتتسلّح، والصين تناور في بحرها الجنوبي، وكوريا الشمالية تجرّب وتختبر، والهند والباكستان يبحثان عن أحلاف وسلاح، وروسيا تهدد، وأثيوبيا تُعد وتستعد، والإنفاق على التسليح في العالم يتضاعف، وفتيل النزاع ينتظر الإشعال في كثير من النواحي والأطراف..
***
إنّه لزمان يشتدّ فيه الإحساس بأن العالم يتداعى من أطرافه، وأنّ خرائطه تُمزَّق وتذوي، وأنّ المعاني التي تحفظ للخرائط قيمتها تنوء جميعها وتنزف، وليست المعاني المثقلة تبتدئ من معنى المصالح المشتركة وقيم النظام العالمي، وليست تنتهي إلى معنى الدولة والمواطنة ولا إلى معنى الحدّ الذي لا يجوز أن يهبط إليه الخلاف بين الأهل الأدنين..
هو "خراب" يراه الناس حين يرون تقوّض البناء وانهيار الصروح، ولكن الخراب الذي يُخشى ويُهاب أشدّ خفاءً وتمكنًا من أن يُرى في تمثيل الصور، وهو مع ذلك أجلى وضوحًا وفتكًا من أن يقتصر على مشاهدة العيان، لأنه خراب يدبُّ في الوجدان قبل العمران، وفي الإرادة قبل الحدود، وفي نبرات اللغة ومدلولاتها قبل أصوات القذائف والراجمات..
إنه انزياح في النظام يُلحُّ معه السؤال عن موضع العرب والمسلمين من هذا الانزياح، ومن ينظر إلى حال العرب اليوم لا يحتاج إلى كبير عناءٍ ليرى كيف تتغلب فكرة الفُرقة على فكرة الاجتماع، ومع ذلك ما زلنا نقول: "العرب" و"أوطان العرب" و"نحن العرب" و"هَمُّ العرب" و"مشروع العرب"، لأنّ كل سانحة تهديد هي سانحة التئام..
وإذا عدنا إلى السؤال الملحّ عن حال العرب وهي حال تلخّص حال المسلمين، وجدنا ليبيا تعيش على انقسامٍ بين شرقٍ وغربٍ وهو انقسام يزداد رسوخًا كلما تعاقبت التسويات المؤقتة وكلما طال أمد التفاهم الذي لا يحسم الأمور، ووجدنا سوريا على عِظم الفأل والأمل ما تزال مهددة بأخطار تُفتح فيها الجبهات ولا تستقر على صيغةٍ وطنيةٍ جامعة ولا يُراد لهذه الجبهات أن تُغلق إلّا على خطّة خسف خاسرة، والسودان يتقلّب في حربٍ تُضعف الدولة وتُغري بانقسامها، واليمن يراوح بين شمالٍ وجنوبٍ بل بين جنوب وجنوب، وتتنازع فيه السلطات لتطيل زمن القلق ولا تقصّره، وفلسطين الروح بعد انفصال أوصالها تتمزّق على عين الرائي بين ضفّةٍ وضفّة وغزّةٍ غزّة لينعكس تمزّقها على السياسة والتمثيل والمصير..
هذا.. وبذور الانفصال في الصحراء الغربية من المغرب تنتظر السقاية والتعهّد؛ وحيثما وُجد ضعفٌ في مركز الدولة العربية نجمت بذور الانقسام -كما في العراق ولبنان- على صورة طوائف وجماعات لها الصدارة على الوطن، أو نجمت على صورة أطراف وجهات تُخاصم المركز أو على صورة نزاعات تُرجأ في رعاية وعناية لتُستثمر عند الحاجة..
ثم تلوح بوادر الحرب الوشيكة على إيران، وتشتعل جبهتها من الداخل وهي في أحرج أوقات الاستعداد لمقارعة العدوّ الذي يتربص بها من الخارج.. ويشتد في تضاعيف ذلك: صخب الحديث عن مواجهةٍ أوسع وأفتك تُعيد ترتيب المنطقة على قاعدة القسمة والتخويف، لا على قاعدة التوازن والترجيح..
والسياسة الدولية نفسها تعود إلى قانون الغلبة الصريحة. فالولايات المتحدة في إدارتها الحالية تميل إلى تصوّرٍ يضع القوة قبل كل وسيلة..
وهوى ترمب يريد من الدول أن تُذعن قبل المفاوضة وليس يرضي غروره أن تفاوض على الإذعان..
يظهر كل ذلك في طريقة الحديث عن الحلفاء، وفي الخلاف المشتد مع أوروبا حول كُلفة الدفاع والالتزام، وفي النظرة إلى الناتو وحسبانه عبئًا ماليًا لا يفي بتكاليف بقاء الحلف في المدى البعيد ولا يؤدّي ما يجب عليه من فروض الإنفاق ليبقى خيارًا "استراتيجيًا".
ويظهر أيضًا في الرغبة المعلنة في ضم غرينلاند أو السيطرة عليها بذريعة الأمن والمنافسة مع الصين على بُعد نفوذ الصين عنها، ويظهر كذلك في منطق الصفقات الذي يجعل الخريطة أقرب ما تكون إلى "كعكة" تُقتسم بين الأقوياء ويُستبعد منها الضعفاء وإن كانوا من الحلفاء. هذا كله يفتح الشرخ واسعًا بين أوروبا وواشنطن، ويجعل أوروبا تتلفّت إلى استقلالٍ في الدفاع والسياسة.. ويجيء خلاف الأخلاق في الباطن ليزيد مسافة الافتراق حول جدل الأسرة والهوية، والحقوق الجديدة، والانقسام بين تيارات ليبرالية وتيارات محافظة، حتى كأن استقطاب العالم لم يعد بين معسكرين دوليين كما كان، بل صار الاستقطاب داخل المعسكر الواحد بين أنصاره المتفقين!..
ونعود لخريطة العرب لنرى عناصر أخرى على أطراف الإقليم العربي تزيد الصورة اضطرابًا، فالقرن الأفريقي لم يعد هامشًا بعيدًا معزولًا لا يؤبه بما يكون فيه.. فالبحر الأحمر صار عصبًا من أعصاب التجارة والأمن، وأي تغييرٍ في الشرعيات هناك فإنّه ولابدّ يتجاوز نقاش البرلمان والدستور إلى الممرات والموانئ. والاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال لا يمكن فهمه بمعزل عن سياسة النفوذ في البحر والحدود..
وحين تتجاور هذه الأحداث المتأججة مع اضطراب السودان، ومع حرب اليمن، ومع التوتر الذي يلوح بين حينٍ وحين في الإقليم، يتضح أن المنطقة تُدفع دفعًا إلى أطوارٍ أشد حرجًا وأدق تفتيتًا مما عهدناه في العقدين الماضيين..
والذاكرة العربية مُثقلة بشواهد على هذا المسار.. فالنكبة سنة 1948 جعلت الجرح في أصل الشرعية، والنكسة سنة 1967 كشفت مقدار الوهم في تصور القدرة، ثم توالت هزائم التحالفات ومشاريع الوحدة حتى جاء احتلال بيروت ثم جاء بعده احتلال العراق للكويت فكان لحظة انهيار الرمز في شعار القومية حيث رُفع السلاح العربي على العربي. ثم جاء الاحتلال الأمريكي للعراق فدخلت المنطقة في طورٍ جديدٍ من التشكيل وإعادة التشكيل، ثم سقطت سوريا في نزاعٍ طويل صار مثالًا على تداخل الداخل بالخارج وعلى العبث السافر الذي يخلط الأحبار والأوراق.. وكل محطة من هذه المحطات خلّفت إحساسًا بالعجز حينًا، وبالمرارة حينًا، وبالارتياب حينًا وحينًا، حتى صار الارتياب هو القاعدة التي تُقرأ بها السياسة، وصارت الهزيمة خبرًا معتادًا لا صدمةً يرجى منها الإيقاظ.
***
هذا هو الأسى كما نراه في النظام الآيل إلى الخراب..
ومع ذلك فإن الوقوف عند هذا الحدّ من قصّ الأسى يضيف إلى الخراب ضربًا آخر من الخراب، لأن الأمة التي تتقن وصف المأساة وتيأس من علاجها تضع نفسها في أقصر الطرق إلى الانتحار..
إنّ المقصود من تشخيص الخراب أمران: إيقاظ الوعي، وأن يُردّ الناس إلى أسباب النجاة، وهذه الأسباب واضحة لمن أراد أن يراها.. أول هذه الأسباب: بناء العقيدة والمثال وإعادة تعريف المصلحة العامة، وثانيها تغليب أسباب الوحدة وضبط الخلاف في الداخل ليكون التفاهم بالسياسة لا بالسلاح؛ لأن الدولة حين تُدار على قاعدة الجماعات المتناحرة لا تستطيع أن تصمد إذا هب من الخارج عاصف، وثالثها إقامة مصالح مشتركة عربية وإقليمية توثّق الثقة وترفع كلفة القطيعة، كأن تكون هذه المصالح على هيئة تجارة مشتركة، وطاقة ممتدة وربط لوجستي وممرات مفتوحة وأمن بحري، لأن المصالح اليومية تُعلّم الناس معنى الاجتماع أكثر مما تُعلّمهم لغة الخطابة والشعارات والرموز.
ثم إن الدعوة إلى الوحدة لا تحتاج إلى صورة مثالية فوق الواقع؛ بل تحتاج إلى درجة معقولة من التنسيق والاتفاق. فإذا قامت هذه الدرجة، خفّ نفوذ الكيانات الوظيفية التي تعيش على الخارج، وضعفت فرص تحويل الأزمات إلى خرائط مستحدثة وحدود مفلوتة.. وإذا استقام القانون في الداخل، واستقامت الإدارة، وتحسّن التعليم والإعلام، صار المجتمع أبعد عن التعبئة الغريزية التي تتخذ من الطائفة أو الجهة سلاحًا متأهبًا على الدوام..
إنّ الفأل الذي يصحّ ذكره في زمنٍ كهذا ليس ترفًا وليس تحليقًا، فهو قائم على أسبابٍ واقعة وإننا لنرجو أن تكون أسباب الفأل أوفر من أسباب اليأس والقنوط، وقد اتسع إدراك الناس لمنزلة الدولة بعد أن رأوا كلفة غيابها، وازداد تطلّع الأجيال الناشئة إلى الكرامة والعدالة، وظهرت مشاريع واصلة في الاقتصاد والتقنية يمكن أن تُبنى عليها شبكة من المصالح المتينة، وقبل ذلك وبعده فقد بقيت عناصر القوة العربية قائمة على سوقها، تستمد المدد من الموقع والسوق والموارد واللغة، ولكنّ هذه العناصر لا تنهض بنفسها إلى العمل؛ وإنما تحتاج إلى عقلٍ رصين يخرج من خصومات اليوم واللحظة إلى حسابات الغد الواعد.
إن لحظة "خراب العالم" التي تلوح ليست حتمًا نعرف موعده، ولكنها على كل حال اختبارٌ قاسٍ لمنطقتنا فإما أن تُدار الخلافات بعقلٍ يجمع ولا يفرّق، وإما أن يتجذّر الانقسام ليكون واقعًا ثابتًا تستغله القوى الكبرى وتُعيد به توزيع النفوذ ورسم الحدود، وليست لحظة التحوّل من نظام إلى نظام إلّا لحظة الاقتسام وتبدّل الخرائط وتغيّر الحدود.. فهي إذًا فرصة سانحة لمن يغتنمها وفرصة دائرة على من يهملها، والفرق بين طريق الاهتبال وطريق الإهمال يكون في جدّ الإدارة؛ فحين تُقدَّم المصلحة العامة، وحين تُعطّش بذور الشقاق، وحين يُستعاد معنى الاجتماع في الاقتصاد والسياسة والتعليم، يتحول الخراب إلى بزوغٍ جديد، ويخرج الإنسان من جوّ الذبول إلى قدرٍ من الطمأنينة والعمل..
تعليقات
إرسال تعليق