عند
الحديث عن مصطلح "الحضارة" لا نجد صعوبةً في تفسير معناه ولا تقييد
دلالات المصطلح. ولكن مفهوم الحضارة كغيره من المفاهيم التي لها نشأة وتاريخ قد
يُسيّس أو يُقيّد في مظاهر خاصة بمكان معين أو عرق أو لغة.
والأمم
المنتصرة عادةً هي من تصنع التاريخ وتصوغه، ولذلك نرى في هذا العصر ظاهرة
"غربنة" الحضارة وإلباس كل الحضارات الأخرى ثوب الحضارة الغربيّة ونسبة أصول العلوم والفنون لها وازدراء كل ما يخالفها.
ولكن السؤال الذي نريد أن
نجيب عنه في هذا المقال ويكون في إجابته بيانٌ لبعض الإشكالات التي تتعلّق بمعايير الحضارات هو: ماهي أسس ومعايير تفوّق حضارة على غيرها ومتى نشير لحضارة بعينها على
أنها أكثر تقدمًا من غيرها؟
لا
شك أن هذا السؤال يبدو في الوهلة الأولى أنه يسير، ولكن لم يكن هذه اليسر إلّا
نتاج عيشنا في هذا العصر، ونتيجة لنقد الحضارات الأخرى بمقاييس الحضارة المتفوقة حاليًا. ولأننا نظن أننا الآن على هرم الحضارة الإنسانيّة فلا نجيب على هذا السؤال إلّا بذكر
مظاهر الحضارة المعاصرة مُسلّمين بتفوقها في كل المعايير، لكن في الحقيقة، هذا
السؤال معقّدٌ ويحتاج إلى تأمّل في تاريخ الحضارات القديمة وإلى مقارنتها مع الحضارات المعاصرة.
وقبل
الجواب على السؤال المطروح يجدر بنا أن نجيب أولًا على عدة أسئلة وهي: من يحدد
معايير التقدم؟ ومن يطلق المسميات على القرون والعصور الماضية! وعلى أي أساس أُطلق
على العصور الوسطى مسمّى العصور المُظلمة وعلى أي أساسٍ تلى هذه العصور عصر "التنوير" وأين
كان هذا التنوير وما هو على وجه التحديد هذا التنوير!
إن
الحقيقة التي لا تخفى على أحدٍ هي أن الغرب المتفوّق حاليًا هو الذي وضع معايير
التقدّم بما يتماشى مع تركيبة حضارته وهو الذي يطلق تسمياته على القرون والعصور،
فأطلق على العصور الوسطى بما شملت من حضارات وثقافات مسمّى العصور المظلمة
راميًا تلك الحضارات في قاع التصنيف رغم كونها متفوقة تلك الفترة. وفي الحقيقة أن
هذا الظلام لم يكن إلّا في أوروبا التي كانت تعيش حالة تخلّف وظلاميّة وجهل، فأمّا الشرق فقد كان يعيش في نفس تلك القرون نهضةً وتطوّرًا مع تمدّد الدولة الإسلاميّة وانتشار
العلوم والمعارف والآداب والفنون ونشاط حركة الترجمة والاقتباس والتدوين.
فمن
التزوير التاريخي أن تُعمم حالة أوربا على كامل العصر! ومن هذه النقطة نستطيع
الإجابة على سؤالنا عن من يضع أسس تقدّم الحضارة؟ فالحضارة المعاصرة تعيش في فترة
تفوق الغرب العلمي والذي قادهم للتحكّم بالعالم، لذلك هم يعتقدون أن هذا العصر هو
أكثر العصور تقدمًا وأن حضارتهم تتصدر سلم الرقي لأنها امتازت بالتفوق العلمي
فقط!.
نحن
لا ننكر أن العلوم لها دور كبير في تقدميّة الحضارة وتمدنها ولكن ما العلوم إلّا
أساس واحد من الأسس التي من خلالها نقيّم الحضارة. ومن الظلم أن نقارن بين
الحضارات استنادًا على معيار واحد ثمّ نجر الحكم بالتفوّق المطلق. فالحضارة
الغربيّة التي تتصدر العالم علميًّا، في الواقع هي تقبع في قاع سلم الحضارات
باعتبار الأخلاق والدين اللذين هما أسمى معايير المقارنة لأنها تضمن الحياة
الإنسانيّة الكريمة في الدارين، فعندما غابت الأخلاق الإنسانيّة وغاب الدين في وقتٍ تصدرت فيه العلوم لم تكفل هذه العلوم الحياة الرغيدة ولا السلام والأمان بل وأدخلت
العالم في سباق تسلّح مخيف نعاني تبعاته إلى اليوم وجرّت على أوربا والعالم ويلات
الحروب الوحشيّة التي لا مظهر للإنسانيّة فيها وكادت أن تقضي على الجنس البشري.
وللحضارة
معايير وأسس كثيرة تحدد مدى تفوّقها وبها تتم المقارنة بين الحضارات، منها الآداب
والفنون والتي بلا شك أنها عاشت في وقت مضى في بعض الحضارات حالةً أفضل مما هي عليه
الآن.
ولكل
حضارة فترات تتقدّم فيها وتتخلّف ومن غير المنطق بل من غير العدل والمصداقية إطلاق وصف فترةٍ زمنيّة على كامل عصرها بناءً
على حالة حضارة معينة. أو الأخذ في إطلاق الحكم على حضارة باعتبار مقياس واحد
وإهمال المقاييس الباقية.
تعليقات
إرسال تعليق