التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تساؤل




سبق وأن فكّرتُ بالكتابة عن الحياة وفلسفتها على نظاق التجربة الذاتية وعن بعض الأمور التي تستلزمُ عمق التجربة في شؤون الحياة كي يُتحدثُ فيها وهي تلك الأمور التي يكون فيها الناسُ على حدٍ سواء من التأهيل العلمي لها، فخبرها لا يتأتى بشهادة ولا دراسة جادة في جامعات العلوم والفنون وقد لا يُحسن سبر غورها مَن ثنى الركب فيها، فإجادتها رهينة لكثرة الاطّلاع والقراءة والتأمل بعد التأمل، لكنّي آليتُ حين فكرت أن لا أكتب وما ذاك إلّا لرغبتي في الاستزادة ولا أخالني منتهيًا منها، فمثلُ تلك المواضيع لا يُستزاد منها على نحوٍ تستحكم فيه الخبرة. وقد أجلّت كل تلك المواضيع إلى أجلِّ يستنهضني فيه القلم وتطلبني فيه الكتابة ولا أطلبها.

ولكن عرض عليّ تساؤلٌ أجرى قلمي، وأزعجني بقدر ما أدهشني.

- من أنا؟

هذا التساؤل الذي لن تستطيع أن تضبط له إجابة ولن تجيب عليه قبل أن تطرح عدّة تساؤلات تهيؤ لك معرفة مغزى السؤال، فالإجابة عليه أثناء التقدّم لوظيفة تختلف عنها إذا ما كانت في صفحة تعريفيّة في مواقع التواصل الاجتماعيّة وتختلف عنها إذا ما أردت كتابة سيرة ذاتيّة وتختلف عنها إذا ما سُئلت من عابرٍ على سبيل المصادفة قابلته. ولكن مناط السؤال أشملُ وأعم من ذلك كلّهُ وأشد حيرةً منهُ.

وإنّي لا أطلب الإجابة عن ماهيّتي العضويّة وتركيبتي الحيويّة فقد أجاب عليها علم الأحياء ووظائف الأعضاء فأحسن الإجابة ما وسعته.. ولا أطلب الإجابة عن الشخصيّة في عيون الناس فإنك لن تستطيع أن تجيب على وجه التحقيق، فكلُّ يرى منك حسب ما تُظهر له، أو قد تحكمهم اعتبارات نفسيّة خاصّة بكل واحد منهم ولأن الناس وجهٌ واحد وزاوية واحدة فقط لرؤيتك على حسب تقسيم وندل هولمز الكاتب الأمريكي الذي يقول: "إن الإنسان عبارة عن ثلاث شخوص ماثلة في صورة واحدة وهي : الإنسان كما خلقه الله، والإنسان كما يراه الناس، والإنسان كما يرى نفسه"

وحتّى إذا ما أردت أن تعرف نفسك كما خلقها الله فلن تجد سبيلًا لذلك لأن الله عندما خلقنا هيأ لنا الظروف التي جعلتنا بالصورة التي نحن عليها الآن، فأنت لا تعرف ذاتك على التجريد كيف تكون إذا وُجدت في ظروف غير الظروف التي أنت فيها، ولأن الأرض لها دور كبير في تشكيل الطبع، لك أن تتخيّل كيف ستكون لو أنك ولدت على سواحل البرازيل أو مرتفعات الصين أو هنا أو هناك، كما أن اللغة تشكّل الأفكار وأفكار كل قوم تتأثر بلغاتهم فلو أنك لم تولد باللسان العربي كيف ستكون الطريقة التي تفكّر بها! وأدع لكم الخيال في تصوّر ظروف غير التي وُجدتم عليها.

ولأننا ما أوتينا من العلم إلّا قليلا قد لا نجد إجابة دقيقة على هذا السؤال وقد نصل على وجه التقريب ولكن الأكيد الذي لا مراء يشوبه أن الإنسان قادر إلى حدٍ كبير على توطين نفسه بقدرٍ يستطيع به أن يرسم حياته بمعرفته وقرارته فلينظر أحدكم على ما يوطّن به نفسه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...