اليوم المشهود
كان لم يتجاوز ستة
عشر ربيعًا عندما كان في فصله حينها وفي العادة كان يزجّي الوقت بين الحصص في
محادثة أصدقائه المقرّبين والقريبين من مكانه في الفصل أو لربما أخذ يحسّنُ في بعض
واجباته قبل أن يُسلّمها للمعلم أو يستغل وقته بمراجعة حفظه للمادة التي سيختبر
فيها ذلك اليوم أو لربما قام من كرسيهِ وبدأ يحرّك عضلات جسمه بعد أن خملت من كثرة
الجلوس على هذه الكراسي الخشبية الصلبة أو قد يمعن في التفكير والسرحان كعادته
حتّى يوقظه الجرس من خيالاته.
ومن المفيد في هذا
السياق أن نشير إلى أن صاحبنا لم يكن فضوليًّا قطُ ولا يحُب أن يكون فضوليًّا إلّا
مع غير البشر فقد كان خجولًا وهادئًا بالقدر الذي جعله مُقلًا في علاقاته وفي
الاختلاط بغيره عمومًا، وكان حييًا وخجولًا حدّ أنه كان يخجلُ نيابةً عن الناس
ويستحيي نيابةً عن قليلي المروءة وكان لمزيج الحياء وحب العزلة والهدوء دورٌ في
تحديد الكثير من جوانب شخصيته وقراراته بل وحياته، أو هكذا كان يرجّح.
ومن تجليات هذا
المزيج أنه استحكم بالقدر الذي جعل صفة التجاهل والتغافل والتغاضي في تعاملاته مع
البشر من أبزر سماته وهذه النقطة تحديدًا -التغافل والتغاضي- كان يشكُ في سببها!
ألأنه روّض نفسه عليها أم أنها كانت نتيجة طبيعيّة لشدّة حيائه وخجله.
فلكم كان يُحمد على تغاضيه وعدم
اكتراثه تجاه بعض الأمور التي يُحمد التغاضي والتغافل عنها، فيثوب لنفسه متسائلًا
هل أستحق المدح عليها أم لا!
منعطف
في بداية الأسبوع
السابق لذاك اليوم اشترى ابن عمّه -وكان زميله في الفصل أيضًا- نظارةً جديدة
فاستغرب صاحبنا حين دخل ابن عمّه الفصل، فلم يكن يتذكّر أن ابن عمّه شكا يومًا من
ضعف بصره فتوقّع أنه إنما اشتراها لغرض الزينة فقد كانت موضةً رائجةً بين الشباب
ذلك الحين وكعادة صاحبنا لم يحفل بهذا التغيير ولم يسأل.
وفي اليوم المشهود رنّ
الجرسُ بصوته المتصل المزعج معلنًا انقضاء حصّة الرياضيات وبدأت فترةُ الخمس دقائق
التي كانت تفصل بين المحاضرات..
طلب صاحبنا من ابن
عمّه -وفي الحقيقة لم يكن ابن عمّه فقد كان ابن خاله، لكنهما اصطلحا على نسبة
أبناء العمومة كي تتوحّد صلة القرابة عند مناداة أحدهما للآخر اختصارًا للشرح
ولأنها الأقرب على اللسان والذهن- طلب منه أن يعيره النظّارة كي يقيس مناسبتها له
ولم يكن يحفل صاحبنا بالموضة ولكن كما قلنا لتزجية الوقت. وما أن لبسها حتّى
تغيّرت الدنيا عليه!
حقيقة
إن كثيرًا من
الأحكام التي نُطلقها اعتمادًا على حواسنا ما هي إلّا تصورات قد تكون نسبيّةً إلى
حدٍ بعيد. فالأمور التي نجزم بها من منطلقاتنا الحسيّة فقط ونظنُ أنها الحق المطلق
الذي لا يعتريه ريبُ ولا يعتوره ضعف قد يُنكرها شخصٌ آخر ليس لمجرّد الانكار وإنما
لأنه رآها من زاوية أخرى أو بنظّارة أخرى فالحواس وقوّة إدراكها وعمق نتائجها
تختلف بين البشر بشكل كبير وهو ما ينجم عنه الاختلاف الذي قدّر الله للكون أن
يحتويه وضجر به الانسان، إن هذا الاختلاف نعمة من الله وفيه فوائد لا تحصى وليس
المقام مقام إشارةٍ لها. وكون إصدارنا للأحكام يعتمد على جوانب حسيّة نسبيّة تختلف
باختلاف حواسنا وفهمنا فهذا لا يعني أنّ الحقيقة نسبيّة -وهو ما أنكره وينكره
الكون- فمصادر المعرفة لا تنحصر في الحواس فقط إذًا للزم القائل بانحصارها في
الحواس لوازمٌ فاسدة تفضي لسيل من الحيرة والعدم. ولذلك رحم الله الإنسان ولم يكله
إلى علمه التجريبي المعتمد على حواسه فقط بل جعل له قواعدًا تضبط له تفكيره
وقرارته وتقضي على جانب الحيرة والفساد المعرفي وكان ذلك أن جعل العقل مصدرًا من
مصادر المعرفة وزوّد الإنسان بمعرفة أوليّة فطريّة صلبة يقيس بها الأمور ويعرف بها
صالحها من طالحها، كما أنعم الله على الإنسان وهداه إلى سواء السبيل بأن جعل الخبر
الصادق -القرآن والسنّة- من مصادر المعرفة التي تحفظ على الإنسان عقله وتُورثه
السعادة في الدارين وتصرفه عن ضياع الوقت وانحراف الفكر إلى العمل لدار قراره وإلى
إعمار داره، وما الحواس بل وما القوانين العلميّة المبنيّة على الطرق التجريبيّة إلّا
زاوية واحدة للنظر إلى الحقيقة وهي على نجاعتها في المسائل الطبيعيّة إلّا أنها
ليس بمقدورها أن تقدّم تفسيرًا شاملاً للحياة بشقيها المادي والروحي وهي في الجانب
الروحي أضعف المصادر بل لا يمكن أن تخوض فيه.
(ما مضى كان فيه إجابةٌ على تساؤلات
صاحبنا بعد ارتداء النظارة)
تأمُل
وبالعودة إلى صاحبنا
الذي تغيّرت حياته عندما ارتدى النظّارة. فقد كان من صاحبنا أن لاحظ -أول ما لاحظ-
أن العمائم الحمراء التي يرتديها أصدقاؤه أغمق مما هي عليه في العادة فما كان منه
إلّا أن أزال النظارة ليتذكر كيف كان لون هذه العمائم! فوجدها بعينه المجرّدة
باهتةً كما عهدها ثم ارتدى النظّاره فإذا هي صافية غامقة اللون! فبادر ابنَ عمّهِ
بالسؤال عن السبب مندهشًا ولكنّه كان قد عرف الإجابة قبل أن يسمعها.
ثم رنّ الجرس المزعج، ولم يكن الجرس
مزعجًا هذه المرّة وإنما كان عاليًا فقط بالقدر الذي نبّهه لانقضاء الفترة ما بين
الحصص فخلع النظّارة وأعادها لابن عمّه..
دخل مدرّس الكيمياء وشرع في الشرح تزامنًا مع
سفر صاحبنا بالتفكير. كان موضوع اختلاف الحواس يؤرقهُ فمع كون القضيّة متعلقة
بالأرق الصحّي كونه اكتشف ضعف "أم الحواس" فقد كان الأرق والقلق معرفيًا
أكثر من كونه صحيًا.
فتعجّب كيف ينظرُ هو
ذاته لذات الشيء في ذات الوقتِ فيختلف عليه المنظر! فإذا كان هو غير واثقٍ من
حواسه َوقد اختلفت! فكيف يرجّح رأي من اختلفت آلاتهم وأوقاتهم وزواياهم إن كانوا
فقط معتمدين على حواسهم! ومن حينها بدأت مرحلة جديدة في استيعاب الكثير من
الاختلافات وفي ترتيب الكثير من الآراء.
مراجعة
رن الجرس هذه المرّة
وقد كان ينتظره وطرب لسماعه أكثر مما كان يطرب له عندما يؤذنُ بانقضاء اليوم
الدراسي، أخذ النظّارة من ابن عمّه بإصرارٍ هذه المرّة، ارتداها فأخذ يجول ببصره
في المكان وقد رأى تفاصيلًا لم يكن يراها، رأى المركبات الكيميائية على السبورة
وقد بدت أكثر تحديدًا وقد كان الخطُ على السبورة -قبل أن يرتدي النظارة- يبدو
مشوشًا وغير مؤطر وحوافه تتلاشى تدريجيًا حتّى تمتزج ببياض السبورة، وأخذ يقارن
بين البصرين يلبس ويخلع ويكرر هذه العمليّة، بدت وجوه أصحابه أوضح وبدت الشامات
والكلف والندبات على الوجوه ورأى بعض الأوساخ على الجدران والأتربة على حواف
المكيّف والإنارات. بدا المكان أسوء مما كان يراه وأزعجته التفاصيل الصغيرة التي
لم يكن ليحفل بها لولا أن رآها بالنظّارة وقدّم له ضعف البصر تفسيرا لم يقطع
بصحّته على السؤال السابق الذي كان عن سبب تغاضيه.
أزعجته التفاصيل
الصغيرة حقًا وشتّت ذهنه وجعلته يركّز على أشياء لا جدوى منها وقد كان قبل ذلك
يصبُ تركيزه على هواياته حتّى أشير إليه بشدّة الملاحظة وقوّة التحقيق والتدقيق في
المجالات التي يحبّها، لكن مع كثرة التفاصيل والمشتتات أحس بالخطر على هذه الميزة،
ثم تفكّر في نعمة التغاضي وحمد الله عليها وعلى ضعف بصره، وفي حمده على ضعف بصره
حمدًا على النعمة والمكروه. فيحمده على نعمةٍ كان زوالها حفظًا له من المشتتات
ليجزي الله الشاكرين ويزيد من قوّة ملاحظته واجتماع ذهنه وحمِدَ اللهَ على المكروه
وهو الذي لا يُحمد على مكروهٍ سواه.
تعليقات
إرسال تعليق