التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حُجِّيّةُ السُّنَّةِ النَّبَوِيّةِ

 

 



 

من بين الإشكالات القديمة في أصلها والمعاصرة في تجددها والمتعلقة بحجيّة السنة: «القول بعدم استقلاليتها في التشريع وتعليق وجوب طاعة الرسول صلّى الله عليه وسلم فيما وافق فيه القرآن.»

وكعادة كثير من الشبهات، فهي لا تدخل من هذا المدخل الفجّ وإلا فمصيرها الرفض، وإنما سبيلها للنفوذ أن تُزخرف وتُنمّق وتُزوّق، فيُقال: "في القرآن كفاية" و "حسبنا كتاب الله" و "كلام الله كاملٌ في تبيينه فلا يحتاج إلى مصدر آخر من مصادر التشريع" وما أجمل هذه الشعارات لو كان قد قُصد بها حقٌ لا باطل من ورائه، لكن في حقيقة الأمر أنّ أصحاب هذه الدعاوى لا يلتزمون هذه الشعارات على حاقّ معانيها وإنّما يعتمدون على ظاهرها الرنّان الذي فيه تعظيمٌ لكتاب الله، أمّا باطنها فمؤداه: رفض لما جاء في الكتاب وطعن في السنة النبوية. وقد يستدلون على ذلك ببعض الآيات القرآنية من مثل قوله تعالى: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ)[الأنعام: 38] وقوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ)[النحل: 89]

وقبل الرد على هذه الشبهة يجب علينا أن نفهم أمرين كي يزولَ كثيرٌ من هذا الإشكال.


الأمْرُ الأوّلُ: حَقِيْقَةُ السُّنّةِ.

 والحقيقة أنّها وكما أنّ القرآن وحي من الله تعالى فإنّ السنّة كذلك وحي منه. ومن الأدلّة القرآنية على ذلك؛ تأكيد الله سبحانه وتعالى في قوله: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ)[النجم: 3،4] ولو قد قال سبحانه وتعالى: "هو وحيٌ" لكان ذلك دليلًا صادقًا كافيًا، ولكنّه سبحانه زاد على مجرّد الإخبار بتأكيداتٍ كثيرة، منها نفي الهوى عن منطوق النبي صلّى الله عليه وسلم، ثم استعمال أسلوب الحصر: "إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ" ثم أتى بالتأكيد الثالث وهو الفعل المضارع في قوله: " يُوحَىٰ" وهذا أمرٌ خطيرٌ عند أهل البيان.

والسنّةُ بعدُ حجّةٌ منزّلةٌ من الله تعالى وقد سمّاها عزّ وجلّ في كتابه بالحكمة، فقال تعالى: (وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا)[النساء: 113] يقول ابن كثير في تفسير الآية: "ولهذا أنزل الله فصل القضية وجلاءها لرسوله صلّى الله عليه وسلّم. ثم امتنّ عليه بتأييده إياه في جميع الأحوال، وعصمته له، وما أنزل عليه من الكتاب، وهو القرآن، والحكمة، وهي السنة" وكذلك نقل القرطبي عن قتادة في تفسير الآية: (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)[البقرة: 129] فقال: " قال قتادة: الحكمة السنة وبيان الشرائع". ومن الأدلة القرآنية أيضًا قوله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)[آل عمران: 164] وقد جاء في تفسير هذه الآية عند الطبري نقلًا عن أبي جعفر: "ويعني بالحكمة، السُّنةَ التي سنّها الله جل ثناؤه للمؤمنين على لسان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وبيانَه لهم". ومن الأدلّة القرآنية أيضًا، قوله تعالى: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا)[الأحزاب: 34]


الأمْرُ الثَّانِي: أَهَمّيّةُ السُّنَّةِ.

لمّا كانت السنّة وحيًا منزلًا من الله تبارك وتعالى كما القرآن، اقتضى ذلك أن تكون في الأصل مساويةً له من حيث التشريع ومُلزمةً في الاتباع، قال تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)[النساء: 59] ومن المعلوم أنّ المقصود بالردّ إلى الله: الردّ إلى كتابه، وأما الردّ إلى الرسول فالذي عليه الإجماع: هو الردّ إليه نفسه صلّى الله عليه وسلم في حياته وإلى سنّته التي تكفّل الله بحفظها بعد مماته. يقول ابن القيّم في ذلك: "الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنّته بعد وفاته"[1]. وتتضح أهميّة السنة عندما نعلم بأنّ من يردد الشعارات السابقة ويريد من خلالها أن يُثبت عدم استقلالية السنة بالتشريع، أنّه في حقيقة الأمر يرد كثيرًا من التشريعات الإسلامية، بل هو لا يستطيع أن يقيم أركان الدين، فمن أين علمنا إذًا أنّ الفرض على المسلم أداء خمس صلوات في اليوم والليلة؟ ومن أين علمنا مواقيت الصلوات الخمس وعدد ركعات كل صلاة؟ ومن أين علمنا مقدار الزكاة المفروضة؟ وتفاصيل الصيام والحج؟ وقس على ذلك كثيرًا من التشريعات الإسلامية التي قد لا تُذكر في القرآن أو قد تأتي فيه مجملةً ولم يعرف الصحابة تفصيلها إلّا من سُنّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وتناقلتها الأمة من بعدهم بالتواتر جيلًا بعد جيل. وبعدُ فالسنّة هي المورد الجم والطريق الأمثل لفهم أحكام القرآن ومعانيه، لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أعلمُ الناس بمراد الله وكلامه، فالله سبحانه وتعالى أرسل النبي لتبيين هذا القرآن كما جاء في قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)[النحل: 44] ولذلك فهذا التبيين ملزمٌ للأمّة وإلا لو كان بوسعها أن تفهم القرآن بلا سنّة النبي صلّى الله عليه وسلّم المبيِّنة، أو لو كان باستطاعة البشر فهم هذه الأخبار فهمًا قاطعًا بلا واسطة بينهم وبين الله؛ فماذا كان المعنى من إرسال الرسل!

 إذن فإنّ إنكار استقلال السنة بالتشريع أو القول بكفاية القرآن، يكون منهما مدخلٌ كبير من مداخل إنكار تشريعات القرآن ذاته لأنّ فيه نقض لنصوص القرآن الدالة على حجيّة السنة.

 

الرَّدُّ عَلَى الشُّبْهَةِ

وبعد أن قررنا حقيقة السنّة وعرفنا أنّها من عند الله وأنها وحيُ منزّل كالقرآن ورأينا مكانتها ودورها في تفسير القرآن الكريم، سنتطرق الآن لنقض أصل الشبهة، وسيكون هذا النقض من طريقين: الأول هو الرد على الدعوى في أصلها وتبيين لوازمها، والثاني هو الرد ببيان حقيقة الاستدلال عليها.

 

أوّلًا: الرَّدُّ عَلَى الدّعْوَى

إنّ من يقول بدعوى "في القرآن كفاية في التشريع من دون السنّة" يلزمه أن يُذعن لأوامر الله في كتابه، لا أن يرى الأدلّة ثم يعرض عنها، فهذا الشعار كما قدّمنا جليلٌ لو أنّ مُطلقَهُ التزم بمعناه حق الالتزام. وإلّا فهو تمسّكٌ يستبطن غير ما يُظهر. ولو كان مطلق هذه الدعوى ملتزمًا حق الالتزام بها؛ لما وسعه أن يتجاهل أدلّة القرآن الكريم -الذي يرى كفايته- الواضحة والصريحة في الأمر بطاعة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والاقتداء والتأسي به، ولزوم سنته، والاحتكام إليها عند التنازع، وترتيب الأجور العظيمة على طاعته في الدنيا والآخرة، والتحذير من مخالفة أمره، والإنذار والوعيد بذكر مصير من حاد عن أمره وعصاه. وسنسوق على وجه الإجمال بعضًا من الأدلّة القرآنية في ذلك.

1)   الأَدِلّةُ القُرْآنِيّةٌ الصّرِيْحَةُ الآمِرَةُ عَلَى وجْهِ الإيجَابِ بِطَاعَةِ الرّسُوْلِ والْتِزَامِ مَا أتَى بِهِ:

-      قال تعالى: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ)[آل عمران: 32]

-      قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ)[النساء: 64]

-      قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)[المائدة: 92]

-      قال تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)[النور: 56]

-      قال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ)[الحشر: 7]

والأمر بعدُ أكبر من ذلك فقد قرن الله بين طاعته وطاعة رسوله في مواضع كثيرة جدًا، بل وجعل طاعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم من طاعته تبارك وتعالى، قال سبحانه: (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا)[النساء: 80] وقال عزّ وجلّ: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)[آل عمران: 31]

2)   الأدِلّةُ القُرْآنِيَّةُ التِي رَتّبَت الأجُورَ العَظِيْمَةَ عَلَى طَاعَةِ الرّسُولِ صَلّى الله عَليهِ وَسَلَّمَ:

-      قال تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[النساء: 13]

-      قال تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا)[النساء: 69]

-      قال تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[الأعراف: 157]

-      قال تعالى: (يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 71]

-      قال تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)[النور: 52]

-      قال تعالى: (لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا)[الفتح: 17]

3)   الأدِلّةُ القُرْآنِيَّةُ الصَّرِيْحَةُ التِي حَرَّمَتْ عَدَمَ اتِّبَاعِ النَّبِيّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

ومن المعلوم أنّ أدلة إيجاب أمرٍ ما، هي في ذات الوقت أدلةٌ على تحريم عدم التزام هذا الأمر، فبالإضافة إلى الأدلة السابقة، نورد هنا الأدلّة التي حرّمت التقديم بين يدي الرسول صلّى الله عليه وسلم، وحرّمت التخيّر فيما أمر به:

-      قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[الحجرات: 1]. جاء في تفسير هذه الآية عند الطبري: " حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) يقول: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة" انتهى.

-      قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا)[الأحزاب: 36]

4)   الأدِلَّةُ القُرْآنِيَّةُ الصَّرِيْحَةُ الّتِي حَذّرَتْ وَتَوعّدَتْ مَنْ يُعْرِضُ عَنْ اتّبَاعِ سُنّةِ النَّبِيّ صَلّى الله عَليهِ وَسَلَّمَ وَبَيّنَتْ حَالَ مَنْ يُعْرِضُ عَنْهَا وَمَآلَهُ:

-      قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا)[النساء 61]

-      قال تعالى: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)[النساء: 115]

-      قال تعالى: (لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)[ النور: 63]

-      قال تعالى: (وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا)[الأحزاب: 36]

-      وأخيرًا قال سبحانه وتعالى: (وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا)[الجن: 23]

والآيات بعد ذلك كثيرة وليس مقصدنا هنا الاستقراء، وحسبنا في ذلك ما أوردنا، وفيه كفاية لمن أراد العرفان.

 

ثَانِيًا: الرَّدُّ بِبَيَانِ حَقِيْقَةِ الاسْتِدْلَالِ عَلَى الدّعْوَى.

بعد أن رأينا الأدلّة القرآنية المُحكمة على لزوم طاعة النبي صلّى الله عليه وسلم واتّباع سنته، بقي لنا أن نبيّن حقيقة الإشكال الحاصل أو التعارض المتوهّم بين ما أوردناه من أدلّة وبين الأدلة التي ساقها من ادّعى أنّ "في القرآن كفاية" وحاول بذلك إنكار حجيّة السنّة وإنكار استقلاليتها في التشريع بأن استدل بالآيتين الكريمتين:

-      (مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ)[الأنعام: 38]

-      (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ)[النحل: 89]

وهنا تنبيهٌ إلى أن المؤمن بالكتاب حقّ الإيمان يجب عليه أن يؤمن بالكتاب كلّه فلا يغفل دلالة ما أوردناه من الآيات المحكمات، وأن يتوخّى التوفيق بين آيات الكتاب وفق قواعد الجمع السليمة، لا أن يعارض بينها، وليس ثمّة تعارض بين كلام الله ولا تناقض، لأن التناقض صفة نقصٍ والنقص من شأن البشر، أمّا هذا الكتاب الذي لا ريب فيه فهو منزّلٌ من الله الذي له كل الكمال، وصدق الله عزّ وجل إذ قال: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)[النساء: 82].

وبعد: فبالنسبة للدليل الأول، فإننا لو تتبعنا سياق هذه الآية من أولها لرُفع عنّا هذا التوّهم وبطل وجه الاستدلال بها، فسياق الآية: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ)[الأنعام: 38]. فالكتاب المقصود في هذه الآية هو اللوح المحفوظ، إذ من المفهوم على البداهة أنّ القرآن لا يحوي كلّ العلوم، وعلى القول بأنّ المقصود هو القرآن، فإن دلالة الآية تُحمل على أنّ الكتاب لم يفرط في شيء من أمور الدين، وليس في ذلك أي وجه لإنكار حجيّة السنة من هذا الطريق، لأنّ من الأشياء التي لم يفرط فيها القرآن -على قول من قال: إن المقصود بالكتاب هو القرآن- هو الأمر بطاعة النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولزوم سنّته.

وبالنسبة للاستدلال بالدليل الثاني، وهو قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ)[النحل: 89]. فإنه لا يمكن الاستدلال بهذه الآية على إقصاء السنّة، فدلالة الآية عامّة، وتشمل عدّة طرق للتبيان، فمن التبيان: أمر القرآن بإتباع سُنّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ونهيه عن تركها. قال الألوسي في تفسير هذه الآية: "وكَوْنُ الكِتابِ تِبْيانًا لِذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّ فِيهِ نَصًّا عَلى البَعْضِ وإحالَةً لِلْبَعْضِ الآخَرِ عَلى السُّنَّةِ حَيْثُ أُمِرَ بِاتِّباعِ النَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ فِيهِ: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ وحَثًّا عَلى الإجْماعِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةَ". وقال الشوكاني في تفسيرها: "ومَعْنى كَوْنِهِ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ أنَّ فِيهِ البَيانَ لِكَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ، والإحالَةُ فِيما بَقِيَ مِنها عَلى السُّنَّةِ، وأمَرَهم بِاتِّباعِ رَسُولِهِ ﷺ فِيما يَأْتِي بِهِ مِنَ الأحْكامِ، وطاعَتِهِ كَما في الآياتِ القُرْآنِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ".

والحاصل بعد كل ما تقدّم: أنّ دعوى "في القرآن كفاية"، ومحاولة إنكار حجيّة السنّة، والقول بعدم استقلالها بالتشريع؛ دعوى باطلة في أصلها وفي وجوه الاستدلال عليها، والقرآن الكريم ذاته يردّ على هذه الشبهة، فلو قصد متّبعوها الحقَّ لوجدوا في القرآن نفضًا لهذه الدعوى بالمعنى الذي قرروه. وقد أخبرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم بهذا إذ قال: " لا أُلْفِيَنَّ أحدَكُمْ متكئًا على أريكتِهِ يأتيهِ أمرٌ مما أمرتُ بهِ أو نهيتُ عنهُ فيقولُ: لا أدرِي. ما وجدنَا في كتابِ اللهِ اتبعناهُ"[2]. صدق رسول الله.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المراجع

·                القرآن الكريم

·                الاتجاهات العامة للاجتهاد، نور الدين عتر، دار الفكر

·                الإحكام في أصول الأحكام، ابن حزم، تحقيق أحمد شاكر، دار الآفاق الجديدة، بيروت

·                إرشاد الفحول، الشوكاني، دار الفكر

·                أصول علم الحديث بين المنهج والمصطلح، أبي لبانة حسين، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1997م

·                الاعتصام، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي، تحقيق: سليم الهلالي، دار ابن عفان، السعودية 1412هـ

·                بحوث في السنة المطهرة، محمد محمود فرغلي، دار الكتاب الجامعي 1982م

·                إعلام الموقعين عن رب العالمين، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد ابن قيم الجوزية، الناشر: دار ابن الجوزي، 1432هـ

·                البرهان في علوم القرآن، بدر الدين الزركشي، دار الفكر، الطبعة الثالثة 1400ه

·                الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، عبدالعظيم بن عبدالقوي بن عبدالله المنذري، تحقيق محي الدين مستو، دار ابن كثير

·                توجيه النظر إلى أصول الأثر، طاهر بن صالح بن أحمد الجرائري، تحقيق عبدالفتاح أبو غدة، مكتبة المطبوعات الإسلامية، حلب 1416ه

·                جامع بيان العلم وفضله، أبي عمر يوسف بن عبد البر النمريرالقرطبي، تحقيق أبي الأشبال، دار ابن الجوزي.

·                جهود المحدثين في نقد متن الحديث النبوي الشريف، محمد طاهر الجوابي، مؤسسات عبدالكريم بن عبدالله، تونس.

·                السنة قبل التدوين، محمد عجاج الخطيب، القاهرة 1963م

·                السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، مصطفى السباعي، دار الفكر.

·                سنن ابن ماجة، محمد بن يزيد القزويني، الناشر: دار إحياء الكتب العربية، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي

·                سنن أبي داود، سليمان بن الأشعث بن إسحاق السجستاني، الناشر: دار الرسالة العالمية، 1430هـ

·                سنن الترمذي (الجامع الكبير)، محمد بن عيسى بن سؤرة بن موسى الترمذي، دار الغرب الإسلامي، تحقيق: بشار عواد معروف،1989م

·                فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ



[1] إعلام الموقعين 1/39

[2] سنن الترمذي (2663)، سنن أبي داود (4605)، سنن ابن ماجه (13). صححه الألباني.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...