أتحدّث
اليوم عن موضوعٍ من مواضيع الحياة السياسية، والسياسة أبغض ما تكون إليّ في هذه
الأيّام التي فشا فيها التنميط والتصنيف على نحوٍ لم يكن مسبوقًا من قبل، وما أحسب
أن التنميط والتصنيف كانا ليتفشيا لولا أنّ المواضيع السياسيّة أصبحت كلأً
مُستباحًا يستوي في استباحته كل الناس بذات القدر، مهما تطلبت موضوعاتها قدرًا من
التخصص والدراية.
والعقول
التي لا تفهم إلّا بالتنميط والتصنيف هي عقولٌ قاصرةٌ عن الإدراك قصورها عن
الانتفاع بما تُدرك. فالذي يتطلّب التصنيف المختزل في كل شيء قبل أن يباشر بنفسه
ملابسات الأحكام، هو في حقيقة الحال يبحث عن الركون والاطمئنان، لا عن التحقيق
والتحليل. وما أبعد هذه العقول عن "جلب المصالح ودرء المفاسد" وما
أبعدها عن السياسة النافعة الحكيمة. وقس على ذلك هذه المصطلحات الشائعة
و"التهم المعلّبة" كما يقولون في الحياة السياسيّة.
ومهما
يكن من أمر هذه التهم، فإنّه لا ينبغي للمرء أن يجزع منها، ولا أن يبلغ به الاتقاء
حدًا يرغمه على أن يُداهن في موضع الفصل أو أن يغمغم في مواطن الإفصاح.
ولا
أريدُ أن نطيل في أمر هذه المقدمة، لأنّها معلومة في كل عصر، وهي في كل عصرٍ يُتاح
التعامل معها إذا ما رُدّ الأمرُ فيها للشعوب المتحاورة، فلا نريد أن نغمطها حقّها
الواضح، فنكون قد جنينا عليها وعلى التاريخ، كما لانريد أن نحمّلها فوق طاقتها
فيما لا طاقة لها -أصلًا- به.
***
قلتُ
إن موضوعات السياسة التي تتطلب قدرًا من التخصص قد أصبحت كلأً مستباحًا، وهذا مجازٌ لا أدلّ على الواقع منه،
فكلنا قد رأينا أخيرًا أحداث الانتخابات الأمريكيّة، وكيف أنّها أخرجت لنا في ظرف
أيامٍ معدودات مستشارين في التحليل السياسي والشأن الأمريكي على قدرٍ من الاعتداد،
كما لو أنّهم كانوا قد قضوا أعمارهم كلّها في الدراسات الأنثروبولوجيّة المختصّة
بالشأن الأمريكي. وهذه حالةٌ لا أظنّ أنّ السيطرة عليها ممكنةٌ في عصر تطبيقات
التواصل الاجتماعي. ولا كبيرَ إشكالٍ في ذلك، فلا أحسبُ أنّ السيطرة عليها أمرٌ
يستحسن في هذا العصر، لأن لهذه السيطرة لوازمَ أخرى قد تكون أضرّ من
منفعتها. والتوجيه خيرٌ في كل عصرٍ على كل حال.
وليست
هذه مشكلةً كبرى إذا ما قسناها إلى حالة الابتذال التي نراها ممن هم خليقون
بالاعتدال، أعني فئة الأكاديميين والمحللين التي رأيناها ترسل التنظيرات
والتحليلات والأحكام طيلة فترة الانتخابات الماضية. ولقد نظرت في كل كتبهم أو
جلّها، فوجدتُ فيها شيئًا قد يكون من الهوى أو من الفكاهة أو من مقالات الخاطر
الأوّل، أو قد يكون من مجموع ذلك كلّه.
كلّ
ذلك محتمل إلّا أن تكون هذه الكتب من المعرفة المنتجة أو الدراسة الجادة أو الرأي
المتكامل الواعي.
وما
رأيتُ أحكامهم المبتسرة وتحليلاتهم المرسلة إلّا زدتُ يقينًا على يقين بأننا اليوم
أحوجُ ما نكون إلى مراكز للأبحاث والدراسات الجادّة الموجّهة التي تُعنى بثقافاتٍ
ومجتمعاتٍ بعينها.
نعم! نحنُ نريد أن نفهم العالم فهمًا
يمكننا من التعامل معه، والاستفادة منه، بل والتفوّق عليه. نريد أن نصنع معرفةً لا
أن نقتبس المعارف والثقافات. وقبل ذلك نريد أن نفهم أنفسنا فمهمًا منبثقًا عن
حضارتنا، فما زلنا منذ عصور الانحطاط نرى أنفسنا وتاريخنا وحضارتنا بعيون
الاستشراق، ومن بعده بعيون معاهد التطوير ومراكز الأبحاث الغربيّة. فإذا علمت ذلك،
أدركت استحالة أن نعيد حضارتنا وآدابنا وقيمنا على عرش الحضارات، في الواقع الذي
نحن فيه منقطعون الانقطاع كلّه عن أسباب حضارتنا ومعارفنا وعلومنا، بل ولا نفهم
أنفسنا إلّا بأبحاث الآخر ولا نراها إلّا بعيون الآخر، ثم نروم -بعد كلّ هذا- أن
نعرف الآخر! هيهات لنا هذا العرفان! فالأمّة التي لا تعرفُ من نفسها إلّا ما
تعرفهُ عنها الأمم، هي أمةٌ حقيقٌ بها أن تظلّ على سرر الاستشفاء، والأمة التي لا
تعرف من حال الأمم الأخرى ما يُعينها على الترقّي هي أمةٌ توشك أن تكون تابعةً بعد
أن كانت متبوعة.
وقد يقول معترضٌ إنّ في ذلك بعضًا من المبالغة،
فالعالم قد انفتح واتصل ببعضه وأنّ البعثات العلميّة لم تزل تُرسل إلى مختلف بلدان
العالم. ولكنّي أؤكدُ لك أنّي لم أبالغ فيما قلتُ قط، بل وربما كنتُ قد قصرتُ عن
تبيان أهميّة ما أنا بصدده.
فأمّا بالنسبة لانفتاح العالم واتصاله،
فلقد تعلم أنّ هذا الاتصال لا يتيح لك من المعارف إلّا ما يتصل بالحياة الظاهرة
وأمور المأكل والملبس وبعض العادات اليوميّة، وأنّ البعثات العلميّة لا تجاوز أن
تطلعنا على بعض العادات والتقاليد وتشريعات الدين والقانون فيما بالكاد يمس بحياة
المبتعثين، ولكن أين ذلك كلّه من الأبحاث المنظّمة التي تبحث في التاريخ والآداب
والثقافات والعلوم والمعارف وسبل التفكير، حتى إذا احتاج إليها صاحب القرار، وجد
أمامه تصورًا كاملًا يعينه على اتخاذ قراره.
ثمّ إنك واجدٌ أنّ هذا الانفتاح
والاتصال، لم يكن ليُثني الدول المتقدمة من الاستزادة من هذه المراكز وتمويلها.
ولا أريد أن أطيل في مناقشة هذا الاعتراض، فلستُ أظنّ أنّ من يورد مثل هذه الاعتراضات
كان قد اطّلع كثيرًا أو قليلًا على عوامل تقدّم الأمم ولا أظنّه يقدّر العلم وفضله
في هذا التقدّم، ولولا أنّي رأيتُ من يقول بهذا الرأي ورأيت من يحفل بقول هذا
القائل، لما عرضتُ له من قريبٍ أو بعيد، فإنك قد ترى أنّ ما قلته في تناول هذه
الآراء هو من المسلّمات الساذجة، ولكننا في العصر الذي تُجهل في المسلّمات!
وبعدُ، فقد اطّلعتُ على عددٍ من المراكز العربيّة ومجهودها، وإذا كان من الحقّ أن نقول أنّ هناك مجهوداتٍ تُشكر،
إلّا أنّه لمن الواجب أنّ نذيّل هذا الشكر بقولنا إنها لا تزال خجولةً تعمل على استحياء،
وهي شديدة الافتقار إلى التنظيم والتمويل، كما أنّها شديدة الافتقار للعمل
التكاملي مع نظيراتها في العالم العربي. وإنّه لمن الواجب أيضًا أن نقول
إننا ما نزال بحاجة إلى أضعاف هذه المراكز.
أقول هذا وليس قولي بجديد إنما هو صوتٌ
من الأصوات التي لا يرجع صداها منذ زمنٍ بعيد، وإنّه لمن المحزن أن ندعو إلى شيء
كان حقّه أن يكون قبل قرون مشروعًا مؤسسيًا محكمًا. ومن ذلك قد تعلم أنّ النتائج
لن تكون سريعةً وأنّ التقدّم والنماء ثمرتان لظروفٍ معقّدة وتغييرات كبيرة
وإنجازات متراكمة متراكبة.
ولقد كنتُ أُحبّ أن أعرض لبعض هذه
النماذج ممن يسمون أنفسهم محللين أو مستشارين سياسيين، وقد حفلت الساحة الفكريّة
بهم في فترة الانتخابات لتعرف إلى أي حدٍ نفهم أمريكة! ولكنّي أوثر أن أنهي الحديث
هنا وربما أناقش هذه النماذج في وقتٍ يكون خيرًا من هذا، وعلى كل حال، فأنت أيها
القارئ، تستطيع أن تجمع هذا وتستنتج منه استنتاجًا كافيًا، لا تحتاج فيه إلى إرشاد.

تعليقات
إرسال تعليق