التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجريمة والعقاب


 



هي ملحمة النفس البشرية.. 

إنها الملحمة الخالدة التي كُتبت بوحي من العبقرية المُبدعة، العبقرية التي تتغلغل في مضائق الشعور لترتدّ أدبًا يطلب الخلود لأنه أدب صادق يطّرد على اختلاف الأزمان والأحوال، فيجد فيه الدارسون معينًا لا يسقي في المرة الثانية كما يسقي في المرة الأولى ومثالًا لا يُلم به النظر في الكرة ولا الكرتين.. 

والأعمال التي من هذا اللون يصعب على الصفوة الممتازة من النقدة والكتّاب أن يعرضوها عرضًا وافيًا، ولا يجاوز أحدٌ الإعجابَ بالعظمةِ إلى تمييزها وتقديرها حق قدرها إلّا أن يكون هو في ذاته على قدر من العظمة.. والذي يحاول أن يعرض العبقرية عرضًا يحفظ لها قدرها الجليل لا بدّ له ليفي بإحاطته من أن تنفحه العبقريّة بشيءٍ من نفحاتها.. 

ولسنا في هذه الإلمامة نطمع في أن نفصّل القول في هذه الرواية ولا أن نُجمل التلخيص الذي يُحيط بها، فالأعمال الأدبيّة لا تُلخَّص والأعمال العظيمة لا ينقص منها شيء إلّا وقد نقص من قدرها شيء، لأنها معمار محكم تام، كل شيء فيه مقدّر ومقصود ومقيس بميزان لا يضطرب، وقد يعتري بعض هذه الأعمال التطويل لكننا لا نلخصها ولا ننفي عنها بعض حشوها لأننا نريد الدربة على استخلاص الشهد ونريدها صورةً صادقةً للعبقري كي تجوز بعد ذلك الموازنة بين عبقري وعبقري.. فإذًا نحنُ نرسلها نظرات عابرات تناسب عمل المقالات، ولسنا نُطيل في ذكر ما يحيط بظروف كتابة الرواية ولا في تاريخ كتابتها وترجمتها وطباعتها، ويكفي من كل ذلك أن نقول إنها كُتبت منجّمةً في مجلة الرسول الروسي عام 1866م بعد عودة دوستويفسكي من منفاه بسيبيريا، ثم جُمعت بعد ذلك فجاءت في جزئين كبيرين تقارب صفحاتها: الألف صفحة..  

 

ثم ندلف للرواية.. 

وإنّي أحبُّ أن أبدأ من الموضع الذي يُخطِئ فيه بعض قرّاء الروايات حين يظنّون «الجريمة والعقاب» رواية إثارةٍ محبوكةٍ على لغزٍ بوليسيّ، في حين أنّها محاكمةٌ للإنسان يوم يُسوِّغ عقلُه لنفسه ما لا تقوى عليه النفسُ ولا تحتمله إن تُركت لفطرتها، وفي حين هي مساءلةٌ لطبيعة الذاكرة والأفكار حين تُستعمل في خدمة الإرادة أو في إضعافها.. 

هي قصّة يقترف فيها بطل الرواية: راسكولينكوف جريمة القتل، فتكون الرواية..

إنّ راسكولينكوف قبل قتل العجوز المرابية، يشرع بقتل معنى الضمير والقانون في داخله، ويستخرج من خزائن الفلسفة الذرائعَ التي تُسكّت اعتراض الأخلاق في مُحكم الضمير، فهو قبل أن يُقدم على فعلته كان أبعد ما يكون عن الإتيان بما هو أهون من هذه الجريمة، فقد كان قبل القتل يستنكر السرقة دع القتلَ بهدف السرقة!، وحين فكّر في جريمته للمرّة الأول كان قد فزع من طواف هذه الأفكار بعقله واستبشع من نفسه أن أفسحت إمكانًا لمثل هذه الأفكار، ولكنّه بعد ذلك حين عزم على قتل إيفانوفنا ظل يردّد في نفسه أنّها عجوز  مُدنفة لا تعول أحدًا بل هي تستعبد أختها وتحرمها نصيبها من المال ونصيبها من الكرامة، ثم هي بخيلةٌ مرابية، ثم إنّ مالها موقوفٌ بعد وفاتها على ديرٍ فاسدة لا تحتاج إليه ولا تصرفه في موارده، وإذن! فالأطفال والمحتاجون والأشقياء أولى بالمال من خزائن امرأةٍ لا نفع فيها.. ثمّ إنّه يرجو أن يكون عظيمًا فهو نابوليونيُّ الهوى، ومن عادة التاريخ أن يصفح عن العظماء لأنهم تجاوزوا قانون العامّة إلى قانون الضرورة وإنّه مامن عظيم إلّا وقد كسر قيود الاجتماع.. 

ثم هو يُضيف إلى كل هذه الذرائع، ذريعة فقره وضيق أصحابه ومرض أمّه وحاجة أخته التي تُمتهن كرامتها ويدنّس عرضها.. هكذا هكذا حتى يستقيم المنسم وتُصبح الصورة في عينه واضحة المعالم بينة الألوان وحتّى تصبح الضرورة موزونةً على ميزان المنفعة الذي ليس للدم فيه وزن، فإذا ووزن بهذه الأثقال طاشت كفّته وكان القتل حتمًا لا مناص منه.. 

 

غير أنّ دوستويفسكي يُلزم قارئه أن يرى ما وراء المذهب الذي يعتقده القاتل، فاختيار الضحية لم يقع لأنّها رمزٌ للشرّ على ما يدّعي راسكولينكوف وإنما لأنها نقطةُ الانكسار الأيسر وطريق السقوط الأقرب؛ فالعجوز بابٌ يُؤتى منه، لأنّ لها جسمًا لا يقاوم، ولأنّها في وحدةٍ لا تمنع ولا تستغيث، وهذه العلاماتُ لا علاقة لها بالفكر الأخلاقي عند القاتل، ولكنّها هي هي قرائنُ الفزع الذي يتلصّص عليه من خلف ما يزعم أنّها نظريّةٌ في الاشتراكية ونظريّة في البطولة ونظريّة في الخلاص..

 

لم يكن القرارُ عند راسكولينكوف طفرةً مباغتة إذن، فقد كان القرار صنيعة التدرّج المتئد في تمهيد الطريق للهوى حتى تقبل النفس اليوم ما كانت تستنكف منه قبل اليوم؛ فهو يظل يتعلّم في الحانة كيف تُرتَّب الحجج كأنها مسائلُ حساب، ويقيس بحوارٍ عابرٍ حرارةَ نفسه كما تُقاس حرارةُ البدن بمقاييس الحرارة، ثم يختبر أعصابه في ذهابٍ وإيابٍ عند بيت المرابية، كأنّه إنما يحتاج إلى تدريبٍ للعضلة لا إلى امتحانٍ للضمير.. 

وكلّما استقام له البرهان لم يزدد به طمأنينةً، بل ازداد به ارتباكًا؛ لأنّ البرهان الذي يُصنع على مقياس الهوى يُربك الروح ولا يُسكنها.. 

وفي اللحظة التي أهوى فيها بالفأس على رأس العجوز لم يكن الذي ثبت في صدره هو المشروعُ الخيّر الذي طالما خطّه على الورق، فالذي ثبت شيءٌ آخر.. هو تلك القسوةُ العمياء التي تسكت فيها الحواسُّ سكتةً واحدةً ليأخذ الفعل مجراه، ثم تعود فتصرخ أضعاف ما كانت تصرخ في بؤسها وشقائها.. 

على هذا النحو يُفهم قوله لنفسه بعد الجريمة: إنّني لم أقتل إنسانًا بقدر ما أردتُ أن أُجرّب قدرتي على أن أكون رجلًا ممتازًا.. 

فإذا بالتجربة قد انهارت قبل أن تبلغ نتيجتها، وإذا بالاستثناءُ يتحوّل إلى لعنةٍ متصلة ولجاجة منفعلة وحسرة متمكنة ووسوسة مسيطرة وعذاب تلو عذاب وجحيم وحميم وهذيان وغليان..

لقد صحا في نفس راسكولينكوف غول هائج فأيقظه في عالم لا يعرفه ولا يحتمله.

 

ومنذ تلك اللحظة يدخل القارئ مع البطل دهليزًا طويلًا لا يخرجه منه إلا الاعتراف. إنّه دهليزٌ في الأعماق، في النفس التي تتنازعها الحُمّى واليقظة ويتنازعها خمول المرض وإفاقة القلق.. 

يخرج البطل إلى الشوارع فيرى في كلّ عابرٍ مُحقِّقًا، وفي كلَّ نافذةٍ عينًا، وفي كلَّ صوتٍ صفّارةَ إنذار. 

ويغدو المكان -وهو بطرسبرغ- مكوّنًا من مكوّنات الجريمة، لا مسرحًا لها فحسب؛ فالغُرفُ الضيّقة التي يكاد سقفها يُلامس النفَس، والحرارةُ اللاصقةُ بالجلد، والضجيجُ الذي لا ينقطع، وحانات الخمر، وحوارات الإلحاد، هي كلّها أدواتُ ضغطٍ تجعل المدينة شريكًا في الفعل، إذ تُشوّش الحواسّ وتُغري بالهذيان وتنزع الطمأنينة. وكأنّ الكاتبَ أراد أن يقول: إنّ الإنسان ابنُ النفس والمكان، وأنّ الفكرةَ حين تتوحّش تجد في المدينة نصيرًا يضاعف أثرها، ولذا كان ميدان الجريمة عند الكاتب: مدينة، وكان ميدان التوبة: قرية.

 

ويجيء التحقيق على يد بورفيري بطريقةٍ يُحسب للرواية بها أنها سبقت علم النفس الجنائي إلى وصفه الدقيق؛ فالمحقق لا يداهم المتّهم بالمعلومات، ولا يغلق عليه باب الحيلة دفعةً واحدةً، ويصطنع عوضًا عن هذا الضرب المباشر ضربًا آخر من التحقيق، إذ يجلس إلى المتهم مجلسَ المعلّم الحليم، يفتح له الأبوابَ كلّها ويتركه يختار مداخله ومخارجه، ثم يتظاهر بالحفاوة بنظرية الإنسان الاستثنائي وإكراهات البطولة ولوازم العظمة، ويجادل عنها وكأنّه ينصرها، ويُكثر من الاحتمالات لا ليُضلّ بها طريق المتهم، ولكن ليدُلّه عليها كي يضلّ بنفسه؛ لأنّ المذنب الذي يظنّ أنّ القاضي فهمه، يميلُ من حيث لا يشعر إلى أن يشرح للقاضي أكثر فأكثر ليؤكد للفكرة مشروعيةً ما. وفي هذه المسافةِ الرحبة يزرع المحقق البذور التي تنبت اعترافًا لا يُنتزع بالقوة، وهو اعترافٌ يطلبه الجاني طلبَ من أرهقه الحمل وطلب من يريد الخلاص والمنجى..

هنا نفهم كيف يمكن للإيحاء أن يربك النفوس المستعدة، فنشهد نيقولاي ذلك العامل الذي ضاقت عليه دنيا الفقر والسمعة وكان متهمًا بالجريمة وكان يُطرق رأسه كل يوم بمطارق الإيحاء. نشهده يسعى إلى الاعتراف بالجريمة التي لم يرتكبها، ظنًّا منه أنّ الخلاص في الكلام، وأنّ الخطيئة إذا سُمّيت انطفأ عذابها؛ غير أنّ القارئ يلمح على لسان بورفيري تمييزًا دقيقًا بين ملامح الذنبين، وتفصيلُ ذلك في الحوارات التي عقدها دوستويفسكي بين بورفيري وراسكولينكوف وهي حوارات نفسية عجيبة ومثلها: حوارات دونيا وسفيدريغايلوف، وهي حوارات كُتبت بوحيٍ من العبقريّة، فلا سبيل إلى تلخيصها هنا.. 

 

ومن شخوص الرواية: سفيدريغايلوف، ذلك الرجل الذي أخطأ كثيرون في تسميته عاشقًا، وهو عند النظر أدقّ من ذلك وأشدّ خطرًا؛ فإنه يحبّ دونيا -وهي أخت البطل- حبًا يستنكف منه الكريمُ النبيل، فهو يحبّها على طريقة المتسلّط الذي يرى في المرأة مرآةً لقوّته، فإذا قاومته اشتدّ عليه الأسر، وإذا تردّدت في قبوله زادت لذّته على ضربٍ آخر من ضروب اللذة، وهو يقسو على من يحبّها لأنه يحبها حبًا مريضًا، فهو يريد بذلك أن يُفقدها ثقتها وأن يجعل الناس من حولها يعاملونها كما يعاملها هو، حتّى إذا رأت منه بعد القسوة لُطفًا هرعت إليه ورأت فيه ملاذًا وملجئًا من قسوة الناس فلا تذكر من شأنه بعدُ إلّا أنّه كان مخرجًا من العذاب وتنسى أنّه كان المُدخلها إليه .. 

وأمّا أفعالهُ التي تُشبه الكرم فهي لا تغيّر من جوهره، وإنما هي في منطق شخصيته: لوازمُ سلطةٍ يُزاوج فيها بين القسوةَ واللطف لكي يبقى هو المركز الذي تدور حوله الأشياء. ولئن انتهت قصته بانتحارٍ يُواري قبح اللعبة، فذلك لأنّ المرأة التي أراد أن يجعل منها مادةَ إثباتٍ لذاته أخرجته من اللعبة حين آثرت كرامتها عليه، ولأنّ رصاصته جاءت حين أدرك أنه لم يعد يملك شيئًا يفتن به. 

بهذه الشخصية يبيّن دوستويفسكي وجهًا آخر من نظرية الاستثناء والتميز، فكما يمكن أن يتذرّع العقل بالمنفعة ليقتل، يمكن للهوى أن يتذرّع بالمحبّة ليستعبد، وكلاهما في الحقيقة خروجٌ من الإنسانية إلى غيرها..

 

وتنهض سونيا في قلب الرواية لتجسّد تلك المفارقة التي يحبّ الكاتب أن يخلّص بها النفوس.. فهي امرأةٌ ساقتها الضرورة إلى ما تكره، فحملت عن أسرتها عبءَ الخبز ببدنها، وأنفقت عليهم بثمنٍ كان شرفها، ثم حفظت لقلبها من النقاء ما لا تحفظه كثيرٌ من الوجوه المزيّنة وحفظت لعقلها اتزانًا بالإيمان كان قد أعوز المثقفين. 

يجتمع بها راسكولينكوف في اللحظة التي يحتاج فيها إلى من يعرّف له فعلته؛ فلا تشاغله بالفلسفة ومقولاتها، وتفتح أمامه إنجيل لعازر ليقرأ، وليجد فيه شيئًا غير ما اعتاده من العزاء البارد، فقد وجد أمرًا بالقيامة يبدأ بوضع القدم على طريق الاعتراف.. 

ويتكشّف من حوارهما أن الدافع إلى ارتباطه بها هو حاجةُ العقل الذي تاه إلى قلبٍ يمشي وهو يعرف إلى أين يذهب وماذا يريد، وأنها -وهي أكثر الناس بؤسًا- أقدرُ الناس على أن تراه إنسانًا لم يَسقط سقوطًا لا رجعة فيه. 

من هنا نفهم سرّ أثرها، ونفهم لماذا أراد دوستويفسكي أن يضع الكلمةَ الدينية على لسان بغيّ، لأنّ الكلمة الشافية عند الكاتب هي رزقُ من علم معنى الرحمة بالامتحان، ولأنّ الخلاص في مذهبه لا يخرج من أفواه الوعّاظ الممتهنين للوعظ بأصدق مما يخرج من قلوبٍ عرفت معنى الضراعة والانكسار.

وقد أحسن دوستويفسكي أن يُدير كلّ ذلك على خلفيةٍ فكريةٍ مضطربة؛ ففي روسيا في تلك الحقبة تيّار إلحادٍ ومنفعةٍ وجدلٌ حول جدوى الإيمان ومحلّ الأخلاق في مجتمعٍ يريد أن يُهندس السعادة وينتجها إنتاج المصانع والمعامل. 

فالشخصيات الثانوية من لوجين النفعيّ إلى رازوميخين الصديق الأمين تسجّل أصداء هذا الجدل؛ فالأوّل يَصطنع الإحسان ليُثبت حجّةً فلسفية على الطبقات الدنيا، والثاني يثبت أنّ الإنسانية قد تقيم في رجلٍ بسيطٍ أكثر مما تقيم في أرباب المذاهب والأفكار. 

على هذا النحو يأخذ البناءُ الروائيُّ اتّساعه باقتدار: فهنا طبقاتٌ اجتماعيةٌ تتدافع، وأفكارٌ تُجرَّب على أرواح الناس، وقانونٌ يُطلَب منه أن يحفظ النظام ولا يُطفئ النفس، ودينٌ يَظهر في موضعٍ لا يُستعاض عنه بغيره، وأفكار، ونفوس، وذهاب، وإياب.. وليس غريبًا بعد هذا أن يرى علماء النفس في الرواية مادةً ثرّة لما سمّوه لاحقًا: «التحليل النفسي»، وسيظل الأدب في زمن العلم يقول ما لا يقال إلّا به، فحوار النفس وهذيانها وكوابيسها والاحتراب بين الإرادة والفعل تُرسم كلها في هذه الصفحات على نحوٍ يستطيعه الأدب ولا يستطيعه تحليل السرير ولا المختبر.

 

وحين تبلغ الرواية خاتمتها، لا يكون العقاب عند دوستويفسكي نهاية القصة ولا قضاء الحياة، فالعقاب في فلسفته يكون لحظةً لابدّ منها لمبتدأٍ جديد. 

وينجو راسكولينكوف في عقوبة المنفى وتتحرر روحه بمشقة الجسد، وهو ينجو لأنّه رد نفسه لرحاب العدل، رحاب الاعتراف الذي يُعيد ترتيب العلاقة بين العقل والضمير، ورحاب التوبة والمحبة التي تبذل من العمر والجهد لتستنقذ الإنسان من تحت أنقاض فجراته وسكراته. 

وما من دلالةٍ على مقصود الرواية في اتخاد الدين مخرجًا أقوى من تلك القيامة الهادئة التي تبدأ في قلب راسكولينكوف، فيتعلم أنّ الفكرة لا تكون حجّةً إلا إذا خلّصت صاحبها من لذّة القوة إلى أمانة الحقّ.

 

بهذه القراءة يتبيّن ما لا يحتاج إلى مزيد بيان، من أن «الجريمة والعقاب» درسٌ في طبيعة النفوس، طبيعة النفس الأمّارة بالسوء حين تُزيّن القبح، ودرسٌ في عدالة النفس اللوامة حين تُلحّ على صاحبها بالإنابة ودرسٌ في طبيعة النفس المطمئنة حين توازن بين احتياجات النفوس.. والرواية بعد ذلك درسٌ في أثر المكان والمجتمع والمذهب على الروح حين تتقلّب بين العلوّ والسفول وتتقلّب بين الطمأنينة والاضطراب. 

 

هنا نقف الحديث عن الرواية لأن حسبنا الإشارة، وهنا نسوق للقارئ مقتطفاتٍ من جُمل الرواية النافذة.. 

والعبقرية تتجلى في الحوارات المطوّلة كما تتجلى في الجمل القصيرة، على أننا نرى أن حوارات الرواية التي أشرنا إليها والتي لم نُشر هي ميدان دوستويفسكي الذي يُبرّز فيه.. 

 

 

اقتباسات من رواية «الجريمة والعقاب»:

 
  • أقدرُ الناس على خداع نفسه: أنجحُهُم في قضاء أيام سعيدة.

  • إن الخطأ هو الميزة الوحيدة التي يتميز بها الكائن الإنساني على سائر الكائنات الحية. من يخطئ يصل إلى الحقيقة

  • أنا إنسان لأنني أخطئ

  • الخمرة تكشف حقيقة الرجل

  • لستَ في حاجة إلى أن ألفت نظرك إلى أنّ بعض النساء يشعرن بلذّةٍ قوية حين تُلحق بهنّ إهانة، مهما يكن غضبهنّ الظاهر منها

  • كلّما كان مكرُ المرء أكبر، كانت الأمورُ الأبسط هي التي توقعه في الفخ.
 
  • كانا جالسين أحدهما إلى جانب الآخر حزينين مهدمين كفريقين وجد كل منهما صاحبه على شاطئ مقفر بعد عاصفة

  • إنّ البقاء في الوطن أفضل، هنا على الأقلّ يستطيع المرء أن يتّهم الآخرين بكل شيء وأن يُبرّئ بذلك نفسه!

  • إنّ أشياء صغيرة جدًا هي التي تُفسد كل شيء في آخر الأمر. 

  • هل تدرك ما معنى ألا يكون للإنسان مكان يذهب إليه؟

  • لا شك أن الذين يقادون إلى المقصلة يتشبث فكرهم بجميع الأشياء التي يصادفونها في طريقهم. 

  • يستطيع المرء في الفقر أن يظل محافظًا على نبل عواطفه الفطرية، أما في البؤس فلا يستطيع ذلك يومًا، وما من أحد يستطيعه قط 

  • كُل خبيء مآله إلى ظهور 

  • إحساس اللذة الذي يُلاحظ دائمًا حتى لدى أقرب الأقرباء حين يرون شقاءً يحل بقريبهم؛ وهو إحساس لا يخلو منه أي إنسان، مهما يكن إحساسه بالأسف والشفقة صادقًا 

  • بغير القوة لا يصل المرء إلى شيء، والقوة لا تُنال إلا بالقوة

  • لا يكفي أن يكون المرء ذكيًا حتى يتصرّف بذكاء

  • الشيء النبيل هو الشيء النافع للإنسانية

  • السُّلطة لا توهب إلا لمن يجرؤ على أن يُطأطئ ليتناولها 

  • يخيل إلي أن الرجال العظماء لابد أن يشعروا على هذه الأرض بحزن عظيم.

  • لا تحاول أن تسرف في التحليل، بل استسلم لتيار الحياة دون تفكير، ودع عنك القلق، فإذا بتيار الحياة يضعك على الشاطئ، فـتقف على قدميك
 
  • لئن لم يكن في العالم شيء أصعب من الصدق والصراحة، فلا شيء في العالم أسهل من التملق. فالصدق إذا اندس فيه عشر معشار من كذب، سرعان ما يخالطه نشاز فتقع فضيحة. أما التملق فإنه إذا كان كذباً من أوله إلى آخره، يظل ساراً وممتعًا، فالشخص يصغي إليه شاعرًا بلذة إن لم تكن لذة سامية فهي لذة على كل حال. ومهما يكن التملق مفضوحًا فإن نصف المديح على الأقل ينطلي على الممدوح. يصدق هذا على جميع طبقات الناس في المجتمع وجميع المستويات العقلية.

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...