كتب الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه تأمّلات متفرقة وكان ينوي أن يجعلها في ثلاث عشرة رسالة، غير أنّها ما تمّ منها إلّا أربع رسائل كان قد كتبها ما بين عامي 1873 و1876، ثم جُمعت في كتابٍ تُرجم إلى الإنجليزيّة بعنوان:
“Untimely Meditations - تأمّلات في غير أوانها"
وفيه رسالة عن ديفيد شتراوس ورسالة عن شوبنهاور ورسالة عن ريتشارد فاغنر، وهو كتابٌ يصلح لأن يكون مدخلًا لأفكار نيتشة عن أعلام عصره وقضاياه..
ومن هذه الرسائل المجموعة رسالة نقلها بيتر بريوس مُفردةً إلى الإنجليزيّة بعنوان:
"On the Advantage and Disadvantage of History for Life - عن منافع التاريخ ومضارِّه"
فجاءت في مقدمة وعشرة فصول على خمسٍ وستين صفحة من القطع المتوسّط..
وأول ما يطلع لنا به نيتشه في هذه الرسالة: تلويحٌ يُعلمنا به أنّه ينصب معيارًا لقراءة التاريخ ويرسم حدًا للاشتغال به، فيقول:
"نعم، نحن بحاجة إلى التاريخ. ولكن حاجتَنا إلى التاريخ تختلف تمامًا عن حاجة ذلك الكسول المدلّل في حديقة المعرفة، حتى لو كان في ترفِه ينظر من علٍ إلى مطالبِنا الخشنة الخالية من الزخرف. أي إننا نحتاج إلى التاريخ من أجل الحياة والفعل، لا من أجل الترفّه المتعالي عن الحياة والفعل، ولا لتلميع حياةٍ أنانيةٍ وأعمالٍ جبانةٍ رديئة. لن نخدم التاريخ إلا بقدر ما يخدم الحياة؛ غير أنّ ثمة حدًّا من الاشتغال بالتاريخ، وتقديرًا له، يجلب معه ذبولَ الحياة وانحطاطها: وهي ظاهرةٌ صار من الضروري، مهما كان ذلك مؤلمًا، أن نُبرزها إلى الوعي من خلال بعض الأعراض اللافتة لعصرنا"
ثمّ يبدأ نيتشه من أول عناصر التاريخ، فيسوق الحديث عن أغراض الذاكرة والنسيان، فالذاكرةُ عنده ليست فضيلةً كلَّها، والنسيانُ ليس رذيلةً كلَّه. فللحياة -كما يقول- حاجتان متقابلتان: «حاجة غير خاضعة للتاريخ» وهي التي تتيح للحيّ أن يعيش آنَه وزمانه بلا أحمالٍ تُثقل خطواته، و«حاجةٌ فوق ما هو تاريخي» وهي التي ترفع النظر من تقويم الوقائع إلى الذوق والقيمة والمعنى المتصل.
فمن غَلَب عليه التذكرُ عَجز عن كل بداية، ومن غلب عليه النسيان جهل من أين يأتي وإلى أين يمضي..
يقول نيتشه إنّ البهيمة التي ترعى في الحقل سعيدةٌ لأنها لا تتذكّر ولا تعرف موضعها من الزمان فلا تتكدر بأحزان الماضي ولا تشقى بهموم المستقبل، وأمّا الإنسانُ فيشقى لأنه لا يكفُّ عن استجلاب الماضي وفوائته، ولا يكف عن استباق المستقبل وآماله، والإنسان يحسد البهائم على الطمأنينة، ولكنّه مع ذلك يأنف من حياتها ومعيشتها ليحيا حياة الناس ومعيشتهم، وهو لا يكون إنسانًا إلا بذاكرةٍ تنتقي لا ذاكرةٍ تُكدَّس وتكوّم، وبنسيانٍ فاعلٍ يُقصي ما يُضعف دون أن يمحو ما يُغني ويفيد.
ثم يُرتّب نيتشه ضروبَ التعلّق بالماضي فيجعلها ثلاثةً، كأنما أراد أن يضع لكلِّ نفسٍ مرآةَ طبعها.
ونيتشة يصيغ تسمية هذه الضروب لتكون وصفًا للتاريخ نفسه لا وصفًا لطريقة الانفعال به، ولسنا معنيين هنا بالوقوف عند الأسماء فلعلّها من فروقات اللغة بين الأصل والترجمات. فهو على كل حال يسمّي الضرب الأول: «التاريخُ النصبي» أو «التاريخ التذكاري» ووظيفته أن يريك القامات التي بلغت الذروة، لتُستنهَض بها الهمَم وتُكسَر بها حجّة العجز.
أمّا الضرب الثاني فهو: «التاريخُ الأثريّ» ووظيفته أن يحفظ الأصولُ والعادات والمآثر، ليبقى للهوية مأوى يُأرز إليه، وورسومًا تصل الماضي بالمستقبل دون أن تختلط بغيرها من الهويات.
وأمّا الضرب الثالث فهو: «التاريخُ النقدي» وظيفته أن يُقاضي الماضي ويكسر أصنامه حين تستعبد الأحياء.
غير أنّ لكلّ واحدٍ من هذه الثلاثة مضرّةً إذا جاوز حدّه، فالنمط التذكاري قد ينقلب مثالًا يُرهق الناظرين ويُحيل المثال إلى محال، والنمط الأثريُّ قد تتسلل إليه العيوب حتّى تتمكّن في تكوين الأجيال وطبائعها، والنمط النقديُّ قد يُدمن الهدم حتى ينشغل به عن كل بناء.
والفضيلةُ إذن في الموازنة والتخيّر بحسب المقام، لا في رفع واحدٍ من الأنماط إلى مقام التقديس.
وفي حديثه عن هذا التقسيم يشتدّ نقدُه للثقافة التي تحوّل التاريخ إلى حِرفةٍ بلا غاية، وإلى ترفٍ متعالمٍ يُغري صاحبه بأن يَتخذ الانغماس في المعرفةَ عذرًا عن العمل.
فالانغماس في الوقائع يُعقب ثلاثة أمراض: فهو يُحدث تشاؤمًا ذكيًّا يُري صاحبَه كلَّ احتمالٍ مرجو؛ وقد وقع من قبل فلا يملك إذ ذاك أن يُقدم على شيء، ويُحدث نسبيةً رخوةً تُسوّي العظيم بالحقير لأنهما جزءان من الماضي، وتُحدث ضميرًا متعبًا يُبدّل المحاسبةَ الحيّة بتبكيتٍ دائمٍ يشلّ الإرادة.. وما الثقافة -إذا صارت هكذا- إلا صناعةَ عُذرٍ نبيل لشيخوخةٍ مبكّرةٍ في الناس وهم في أوقات العمل وأطوار الشباب.
ثم يقترح نيتشه ما يُسمّيه القوّة على النسيان؛ والنسيان غير الغفلة، فهو فنُّ الكفِّ عمّا لا يُعين، ويرى نيتشة أنّ كل عمل يتطلّب النسيان.
وفي رسالته هذه، لا يُغفل نيتشه أثر التربيّة على الجيل الذي يوكل إليه الرجاء، فيكتبُ كما يكتب المربّي الغيور، فيرى أنّ الفتى الذي تُغرقه المدارسُ في تاريخٍ بلا روح، ويُساق إلى الإعجاب الجامح بكلِّ شيء، ينشأ إمّا ساخرًا عليمًا ولكنّه زاهد بكل فعل، وإمّا مقلّدًا دؤوبًا حسن النيّة ولكنّه لا يبتكر ولا يُبدع، ومن أجل ذلك يدعو نيتشة إلى تنقية مناهج التاريخ وأساليب تدريسه من كل ما لا يستنهض الهمم ولا يبعث على العمل، فهو يُريد للأجيال أن تقرأ تاريخًا يُتّخذ منه سُلمًا يعرج به لا مخدعًا يُنام فيه، ومِرآةً يَرى فيها ملامح السلالة التي يختار الانتماءَ إليها، ومِطرقةً يكسر بها الأغلال التي ورثها خطأً عن آباءٍ لا يعرفهم.
بهذا يقف نيتشه على حد «الحياة» التي ينصرها بالتاريخ وينصرها عليه. فالحياةُ عنده: قوّةٌ خالقة، تطلب من التاريخ أن يمدّها بالوقود لا بالقيود؛ فإذا أعطاها المثالَ العالي ووهبها سكينةَ الاتصال ومنحها شجاعةَ النقد، كان لها خير مرشد. وإذا أثقلها بالاعتبارات والرسوم وبالتبجيل المُفرط وبالسخرية الشاملة، كان لها دليل شؤم..
ذلك إذن عرضُ رسالةٍ أراد صاحبُها أن يردَّ إلى الثقافة وظيفتها الأولى وهي أن تُنشئ الإنسان القادر، لا المَخزن الحافظ. وهكذا أراد نيتشه للتاريخ أن يكون غذاءً، وأن يكون ميزانًا لارتفاع المرء لا شاهدًا على عجزه؛ وهكذا يليق بنا أن نقرأه إذا أردنا للكتب أن تزيدنا قوّةً على الدنيا، لا دليلاً يسوّغ لنا الانسحاب منها..
تعليقات
إرسال تعليق