التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نمط مخيف

 



أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة.. 
ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضابير ردًّا، ثم يفرغون من ذلك وهم يحسبون أنّهم قد فرغوا من العلم كلّه؛ كلا، بل نحن بإزاء رجلٍ دافع عن الأدب للديانة والتعبّد، واتخذ اللغة وطنًا تُحمى ذماره وتُصان حدوده ويُذبّ عن حماه. فمن قرأ مقالاته، وطالع كتبه، ونفذ إلى مقدمات تحقيقاته، لم يلبث أن يرى مذهبًا بيّنًا ومعالم هادية وأصولًا ثابتة، ينهض بعضها ببعض، وتتولد من اجتماعها مدرسةٌ لها روح وسمت ولها حرارة وحركة، ولها بعد ذلك سلطانها على من فقهها، ثم على من أحبّها، ثم على من جاهد نفسه ليتعلّق بسببٍ منها.. 

وعمادُ هذا المذهب كلِّه، بل قطبه الذي تدور عليه رحاه، هو التذوق. والتذوّق عنده ملكةٌ شاقة، تُكتسب بطول الملابسة وبمعاناة النصوص وبصفاء الحسّ وبرياضة النفس على الصدق والإنصاف، حتى تصير النفس قادرةً على النقد الصحيح والتمييز النافذ البصير. 

والتذوّق عنده هو شرط الدرس الأدبي الأول، ومبدؤه الذي إن فُقد بطلت الوسائل كلُّها، وصارت أدوات البحث وبالًا على صاحبها؛ لأنّها تصير إلى طلب التمدّح والاستكثار وهناك الزلل والتخليط.. 

ومن أجل ذلك مضى محمود شاكر يرصد العلامات في الطريق ليهدي إلى المنهجٍ كلَّ من أراد أن يتناول الأدب تناولًا يفضي به إلى الحقيقة الغرّاء وقد أوضح هو ذلك أوضح البيان وأجزله حين نجّم الحديث عن «المنهج» تنظيرًا في كتابه: «أباطيل وأسمار» وكتابه: «رسالة في الطريق إلى ثقافتنا» ثمّ أفاض فيه تطبيقًا في كتابه: «المتنبي» وفي «نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف» وفي «الأحرف السبعة» وفي كثيرٍ من تحقيقاته ومقالاته، فالشيخ يُقرأ كلّه ولا يعرف مشروعه إلّا بأن يُقرأ كلّه.. 

وقد جعل الشيخ لمنهجه أساسًا لا يقوم إلّا عليه، أسماه في «أباطيل وأسمار»: "ما قبل المنهج" وقد قسمه إلى شطرين:

·       شطرٌ في تناول المادة

·       وشطرٌ في معالجة التطبيق

يقول الشيخ:

"فشطر المادة يتطلّب، قبل كل شيء، جمعها من مظانها على وجه الاستيعاب المتيسر ثم تصنيف هذا المجموع، ثم تمحيص مفرداته تمحيصًا دقيقًا، وذلك بتحليل أجزائها بدقة متناهية، وبمهارة وحذر، حتى يتيسر للدارس أن يرى ما هو زيف جليًا واضحًا، وما هو صحيح مستبينًا ظاهرًا، بلا غفلة وبلا هوى، وبلا تسرع.

أما شطر التطبيق: فيقتضي إعادة تركيب المادة بعد نفي زيفها، وتمحيص جيدها، باستيعابٍ أيضًا لكل احتمال للخطأ أو الهوى أو التسرع، ثم على الدارس أن يتحرى لكل حقيقة من الحقائق موضعاً هو حق موضعها؛ لأن أخفى إساءةٍ في وضع إحدى الحقائق في غير موضعها، خليقٌ أن يشوه عمود الصورة تشويهًا بالغَ القبح والشناعة"

وهذا المنهج أقامه الشيخ على المفاصلة التامة لمنهج أستاذه طه حسين الذي أخذه عن ديكارت، فمنهج طه يعمد إلى الهدم والتحليل ومنهج شاكر يعمد إلى البناء والتركيب، وقد رد شاكر على طه كثيرًا وحارب آثاره في نفسه، ومع ذلك فلا نحسبُ أنّه نجا من إساره كل النجاة، فإنّ طول المعارضة كثيرًا ما أحالت إلى شدّة المضارعة، فهو وإن كان يخالفه في مبدأ المنهج وغايته إلّا أنّه كثيرًا ما وقع قريبًا منه في الأسلوب الواصل بين المبدأ والغاية، على بعد ما بينهما في الجد والصدق والالتزام.. فكلاهما ذكيٌّ طويل النفس مُحكم الإسار لطيف المدخل وكلاهما يظنّ الظنّ فيظل يُلحّ عليه حتّى يستنبط منه ماء البحث ومادته.. 

وهذا ما يروع منهما وهو من الشيخ التلميذ الثائر على أستاذه أروع.. وهذا عين الذي آخذه عليه في هذه المقالة، فإنّه شيءٌ كما قلت لا أخالف في مبادئه ولا في غاياته وإنما في هذا البين بين لأنّه من بُنيات المنهج وكثيرًا ما ظنّ السائر أنّه وصل إلى غايته وما وصل وإنما هي البنيّات ظنّها غايةً يُستراح فيها ويُفرَغُ من المسير بالوصول إليها.. 

 

جعل الشيخ كتاب «نمط صعب ونمط مخيف» كتابًا في تطبيق المنهج واعتذر كثيرًا بأنّ الموضوع الذي يعانيه ليس هو خير مثال على التطبيق، ومع ذلك فقد طبقه واستعمل فيه شطري الأساس.. وزلّ الشيخ في الشطر الأول واستدرك على زلّته، وأحسبُ أنّه زلّ في الثاني شيئًا ما دون أن يستدرك.. كان ذلك حين جمع الأقوال في قصيدة: «إنّ بالشعب الذي دون سلع».. وهي قصيدة نُسبت لتأبط شرًا ونُسبت لابن أخته ونُسبت لخلف الأحمر والشنفرى.. ومأخذي على هذا العمل الفذ إنما هو متوجّه إلى طريقته في اطّراح قول الإمام ابن قتيبة الذي نسب القصيدة لخلف الأحمر ولست معنيًا هنا بنسبتها لأي واحدٍ من هؤلاء الشعراء وإنما الذي أُعنى به الآن هو طريقة الخلوص من الأقاويل المجموعة إلى النتائج المقررة.. 

 

*** 

كان الشيخ يرى أنّ أول من نسب القصيدة لخلف الأحمر هو ابن قتيبة قبل أن يعود ويصحح هذا الاعتقاد في الفصل الذي يتلو الفصل الذي قرر فيه سبق ابن قتيبة، فنقل نصًا عن ابن المعتز في ترجمة خلف الأحمر في كتابه طبقات الشعراء يقول فيه: 

"قال دِعبلٌ: قال لي خلفٌ الأحمر = وقد تَجَارينًا في شعر تأبَّط شراً، وذكرنا قوله: «إن بالشعب الذي دون سلع» =: أنا والله قلتها، ولم يقلها تأبَّط شرّاً" 

فعليه عاد الشيخ وجعل أول من نسب القصيدة لخلف الأحمر هو دعبل الخزاعي لا ابن قتيبة، ولكن الشيخ قال هنا شيئًا خطيرًا سنعود إليه..

 

وأمّا في المقالة الأولى حين قال الشيخ إنّ أول من نسب القصيدة لخلف كان ابن قتيبة= انتهى الشيخ لاطّراح هذه النسبة وشك فيها شكًا كبيرًا وكان قد بنى شكّه على أنّ ابن قتيبة انفرد بهذه النسبة وأنّ كل من نسبها بعده إنما هو ناقلٌ عنه، ومن أسباب شكّه أنّ الجاحظ كان أولى بهذا القول لو صحّ، لأنّه شيخه! ولأنّه رأى خلفًا وسمع منه وروى عنه، وكان أعلم به من ابن قتيبة وأشدُ منه تحريًا وضبطًا، ونحن مع كل ذلك لا نرى أنّ هذا يوجب على الجاحظ أن يصرّح بالنسبة لخلف، فإنّ الرؤية والسماع والرواية والعلم بالرجل والتحري والضبط ليست شروطًا وافية يجوز معها أن يكون الجاحظ أولى من ابن قتيبة بالتصريح، لأنّه قد يكون عِلْم النسبة لخلف قد تناهى لابن قتيبة ولم يتناهَ للجاحظ وقد يكون تناهى للجاحظ ولا موجب بعد ذلك للتصريح، فليست القضية قضية اعتقاد وديانة ولسنا نرى أنّ الدواعي في عصر الجاحظ قد توفّرت على أن ينشط للتصريح كما ينشط من يبحث القضيّة بعدُ.. 

ثمّ إنّ الجاحظ ردد في نسبة القصيدة كما جمع الشيخ، فقال الجاحظ:

"قال تأبّط شرًا إن كان قالها"

وقال في موضعٍ آخر:

"وقال تأبّط شرًا أو [أبو محرز خلف بن حيّان الأحمر]"

وذهب الشيخ إلى أنّ ما بين المعقوفين زيادة من إحدى النسخ أقحمها ناسخ من النسّاخ، والذي جعله يقول ذلك أمران: الأول: أنّ المطبوعة الأولى جاءت هكذا: "وقال ابن أخت تأبّط شرًا"

ولكن الشيخ تنبّه إلى أنّ هذا لا ينهض لأنّ المطبوعة الأولى هي أيضًا عن عدة نسخ، وأمّا الأمر الثاني فلأنّ الجاحظ لم يتعوّد أن يحيل إلى خلف بهذه التسمية التي فيها كنيته واسم أبيه، وأن التسمية على هذا النحو ما وردت إلّا في هذا الموضع على طول كتاب الحيوان، وأنّها لم ترد في البيان والتبيين إلّا في موضعين أحدهما حين حدّث عن غيره وأحدهما حين ذكره في جملة أعلامٍ ذكرهم بأسمائهم وأسماء آبائهم وكناهم أحيانًا كما يقول الشيخ.. ومن أجل ذلك رجّح الشيخ أن يكون ترددُ الجاحظ في النسبة حين قال: "قال تأبّط شرًا إن كان قالها" إنما هو تردد بين تأبّط شرًا وبين ابن أخته..

ونحنُ نرّجح غير الذي قاله الشيخ فإننا نُحسُّ أن هذا الترديد بهذه الصياغة يبعُد أن يكون بين الرجل وابن أختّه ونلمح فيه شكًا من الجاحظ في نسبتها إلى تأبط شرًا أو وضعها عليه، وهذا حديث يطول، لكننا نعود إلى شك الشيخ في كلام ابن قتيبة، فإنه شك فيه من جهة أنّ الجاحظ كان أولى بنسبتها لخلف من ابن قتيبة، ومن جهة أخرى، هي أنّ ابن قتيبة قد استدل بالبيتين الأخيرين من القصيدة في كتابه «معاني الشعر الكبير» في أكثر من موضع ولم ينسبهما إلى أحد، يقول الشيخ بعد هذا الملحظ:

 "ولو كان مستقرّاً عنده أنهما لخلف، لصرَّح بذلك، لأنه استشهد في كتابه هذا أيضاً بأبياتٍ من شعر خلف." 

والنمط المخيف في هذا أنّ الشيخ استراح بهذا الرد وكان سيفرغ بهذا من البحث عن نسبتها لخلف الأحمر..

ونحنُ لا نرى كلام الشيخ لازمًا، فإن ابن قتيبة احتاج أن يسمّي خلفًا حين أراد أن يسوق القصيدة بتمامها، فربما يكون مستقرًا عنده أنّها لخلف دون أن يلزمه أن يعيد النسبة في كل موضع وإن ساق فيه القصيدة بتمامها فكيف وهو يسوق منها بيتين في مواطن الاستشهاد؟ 

 

وأمّا الأمر الخطير الذي قاله الشيخ الذي أشرتُ إليه آنفًا، هو أنّه حين ساق رواية ابن المعتز عن دعبل، قال:

"وابن المعتز، فيما أرجح، إنما نقل هذا عن «كتاب الشعراء» لدعبل، وهو كتاب مفقود لم نقف عليه، ولا على ذكره إلا فى كتب قلائل"

وهو ترجيح لم يكن مشفوعًا بما يقوّيه وإنما طوى الشيخ دعائمه فلسنا نعدّه إذ ذاك إلّا ظنًا من جُملة الظنون، وهذا الظن الذي ظنّه الشيخ هنا، سيحيله الشيخ معمارًا تامًا بعد صفحات قليلة وسيبني عليه الشيخ كثيرًا من الظنون.. 

وأول ذلك أن الشيخ قال بعد سطرين من ظنّه:

"ودِعْبِل، والجاحظ، وأبو تمام، ثلاثتُهم متعاصرون، وثلاثتُهم ذكر القصيدة ونسبها في كتابه إلى من نسبها إليه"

فطمأن القارئ بذلك إلى أنّ دعبل ذكر القصيدة في "كتابه" وقد استراح الشيخ بذلك إلى أمور كثيرة متتابعة لا أعلم كيف استراح إليها هكذا.. فقد استراح إلى أنّ ابن المعتز إنما كان ينقل مقالة دعبل من كتابه هذا المفقود وأنّ كتاب دعبل هذا المفقود الذي ذكر فيه القصيدة ونِسبتها إنما ألفه دعبل قبل أن يؤلف الجاحظ كتاب الحيوان الذي يرجّح الشيخ أنّه بدأ تأليفه في حدود سنة ٢٣٠ من الهجرة وأنّه ألفه قبل أن يؤلف أبو تمام كتاب الحماسة في نحو سنة ٢٢٠ من الهجرة والذي حدا بالدكتور أن يثق بذلك هو أنّه وجد أبا تمام في كتاب الوحشيات الذي ألفه سنة ٢٢٠ كذلك، يقول في مقدمة القطعة رقم: ٩١: "وقال عامر بن علقمة، قالها لأبي طالب، وقالوا إنها للعباس بن عبد المطلب، قالها لأخيه أبي طالب، ورواها دعبل للعباس بن عبد المطلب"

وأنّه قال في موضع آخر من الكتاب نفسه: "أيُّوب بن سَعَف النهشلى. وقال دِعْبل: أيُّوب بن سَعَفَة النخعىُّ"

هذا الذي حدا بالشيخ أن يثق بأنّ دعبل ألف كتابه قبل أن يؤلف الجاحظ وأبو تمام كتابيهما! وهذا كل ما في الأمر! وهو أنّ أبو تمام ذكر أن دعبلًا روى قصيدةً للعباس بن عبد المطلب! وأنه صحح اسمًا! وإذا روى دعبل هذه القصيدة وصحح اسمًا فلا بدّ أن يكون قد روى وصحح في كتابه هذا المفقود! كأنّها لم تكن في ذلك العصر مجالس للسماع والرواية كالتي يقعد لها خلف وحماد والأصمعي والمفضّل الضبّي وغيرهم من الرواة والشعراء! 

والنمط المخيف في هذا النمط الصعب المخيف هو أن الشيخ إنما قوّى هذا الظن ليطمئن إلى أن الجاحظ وأبا تمام كانا قد وقفا على كتاب دعبل المفقود هذا وأنهما وقفا على مقالته التي يقول فيها: 

"قال لي خلفٌ الأحمر = وقد تَجَارينا في شعر تأبَّط شرّاً، وذكرنا قوله: «إن بالشعب الذي دون سلع» =: أنا والله قلتها، ولم يقلها تأبَّط شرّاً" ليطمئن الشيخ بعد هذا ويُطمئن القرّاء إلى أنّ الجاحظ وأبا تمّام قد اطّرحا مقالة دعبل هذا الشاعر الفاسق الماجن كما سيصفه لاحقًا! وأنهما لو وثقا بهذه المقالة لكانا قد ذكراها في كتابيهما الذين كُتبا بعد كتاب دعبل "بدهرٍ" كما يقول الشيخ! 

وهكذا هكذا يكبر هذا الظن وتُعقد عليه الحجج وينسى الشيخ أنّ مبدأه ظنٌ ليس له من نفسه ما يعضده، ويلحّ الشيخ على أنّ دعبلًا قال كل هذا في كتابه وأنّ كتابه كُتب قبل أن يكتب الجاحظ وأبو تمام كتابيهما، وأنهما قرآ ما جاء في "كتاب" دعبل واطّرحاه لأمرٍ ما سنعلمه بعد أسطر قليلة.. 

 

يقول الشيخ في سبيل تثبيت هذا الظن:

"وإذن، فمن الصعب أن نصدِّق أن الجاحظ يرى في كتاب دعبل أن خَلفاً قال له: «أنا والله قلتُها، ولم يقلها تأبّط شرّاً»، بهذا القطع، وبهذا الإِقرار الصريح من خلف، وبالقسم بربّ العالمين، ثم يتردد في نسبتها إلى «خلف»، دون «تأبَّط شرّا» أو «ابن أخت تأبْط شرّاً»، كما أسلفنا بيانه" 

ثم يعود الشيخ ويثبت هذا الظن وهو هنا لم يعد ظنًا! بل صار يقينًا مسلمًا به، فيقول:

"وأيضاً، من الصعب جدّاً أن نصدّق أن أبا تمام يحرص في «كتاب الوحشيات»، على أن ينقل عن كتاب دعبل ما خالف فيه غيره" 

وهنا تتابعت الظنون وتأكدت دون مؤكد إلى أن قطع الشيخ بأن الجاحظ قرأ كتاب دعبل! وإلى أن قطع بأنّ أبا تمّام نقل عن كتابٍ لدعبل، ولستُ أعلم كيف ومتى جزم الشيخ بأن دعبلًا -على فرض أنّه ذكر المقولة في كتابه- لم يكن قد كتب الكتاب قبل كتابة كتاب الحيوان وقبل كتابة ديوان الحماسة! هكذا سقط هذا الاحتمال في عرض الكلام دون أن ينبّه إليه الشيخ ودون أن يثب إلى يقينه بغير ما جاء في كتاب «الوحشيات»، وإذا عدنا إلى أصل الفرض وهو أنّ دعبلًا قد نسب المقالة إلى خلف في كتابه المفقود، فإننا كذلك لسنا نعلم كيف ومتى تقرر هذا اليقين دون دليل غير دليل أنّ ابن المعتز روى عن دعبل هذه المقالة! وابن المعتز خليفة بعدُ نشأ في قصور الخلافة والأمارة التي يغشاها الرواة وتكثر فيها المجالس والأسمار وهذا من شأنه أن يسوي ظن الشيخ بالظن الذي يقول إنّ ابن المعتز ربما روى الخبر عمّن رواه عن دعبل! 

هذا نمط مخيف..

وأخوف منه وأعجب أنّ الشيخ قال:

"هذا عجبٌ! وأعجب منه أن يكون أبو تمام قد اختار فى «الوحشيات» (رقم: ٣٩٣) شعراً لخلفٍ، فما كان يمنعه أن يختار هذا الشعر الذي نسبَه إلى «تأَبَّط شرّاً»، فينسبه إلى صاحبه «خلفٍ الأحمر»، وعِنده فى كتاب دعبل، القطعُ والإقرارُ واليمينُ من خلفٍ بأن هذا الشعرَ شعرُه، لم يقله «تأبط شراً» قطُّ؟"

 

ولم نعد نتعجّب من إمعان الشيخ في تثبيت الظن بأنّ المقالة مذكورة في كتاب دعبل المفقود، وإنما الذي نتعجّب منه هنا هو أن الشيخ أوجب على أبي تمّام أن يختار القصيدة التي نسبها إلى تأبط شرًا في الحماسة أن يختارها في الوحشيات منسوبةً لخلف لأنّه ولأنّه فقط اختار شعرًا لخلف في الوحشيات بعد أن قرأ مقالة دعبل! فكان يجب عليه أن ينسب القصيدة لخلف إلّا أن يكون قد اطّرح هذه المقالة! التي رآها ولابد! في كتاب دعبل المفقود! الذي كتب قبل الحماسة!

هذا نمط مخيف! 

 

وقد غادر الشيخ هذه الأنماط المخيفة وهذه المسالك الوعرة وهذه المزالق الصمّاء بأن قال: 

"إذن فلأمرٍ ما أسقط الجاحظ ما قرأه في كتاب الشعراء لدعبل، ولم يبالِ به" 

ثم قال:

"وإذن فلأمرٍ ما، أيضًا أسقط أبو تمّام ما قرأه في «كتاب الشعراء» لدعبل ولم يبال به" 

 

ثم أخذ الشيخ يسوق الأخبار التي تجرح دعبلًا وترميه بالكذب والتزوير والحقد والحسد والبذاءة والخبث واللؤم، وأخذ الشيخ يروي الأخبار التي تعدّل خلفًا وتصفه بالصدق والأمانة والتثبت.. 

وساق الشيخ بعد ذلك ما رواه الصولي من أنّ دعبلًا كان يحقد على أبي تمّام و(يضع عليه الأخبار) ودعبل أكبر من أبي تمام بأربعين سنة! فإذن كان دعبل لا يتحرّج من الكذب على من هو في طبقة أحفاده حسدًا وضيق نفس، فلا بدّ أنّه بالكذب على من يباريه أسمح نفسًا.. 

ساق الشيخ كل هذا ليخلص من كل هذا إلى أنّ دعبلا كذب على خلف..

ومن أجل ذلك اطّرح الجاحظ وأبو تمّام روايته التي ثبت بعد التكرار والتكرار فقط أنّهما قرآها في «كتاب دعبل» 

وبعدُ فإذا صحت كل هذه الأوصاف الخبيثة في حق دعبل وهي صحيحة وإذا صحّت كل هذه الأخبار في توثيق خلف، فإنّه ما من موجب يوجب على كل كذّاب أن يكذب في كل حين! وإذا كان أبو تمام قد اطّرح مقالة دعبل لأنّه كذّاب فلماذا كان ينقل عنه في كتاب الوحشيات ويعتمد عليه؟ 

إنّه ليجوز أن يكون أبو تمام قد اطّرح مقالة دعبل لأنّه علم خلافها، أقول إنّه ليجوز ذلك، ولكنّه يجوز من غير الطريق التي حاول الشيخ أن يأخذنا بها إلى غايته بعد طول التمهيد والتدريج، ويجوز كذلك أن يكون أبو تمّام قد اطّرح مقالة دعبل لسالف العداوة بينهما على أننا لا نرى في ذلك ما يوجب الاطّراح وقد روى عنه أبو تمام غير هذه المقالة! 

 

أمّا مقالة دعبل عن خلف التي رواها ابن المعتز فقد دلف إليها الشيخ بعد كل هذا التمهيد بنمطٍ مخيف من القول لا أدري كيف جاز على الشيخ، فقد قال الشيخ: 

"ثم ما الذي آنسَ خلفاً الشيخَ البصرىَّ الراويةَ، من دعبلِ الفتى الكوفيِّ الشاعر، حتى يُحَمِّلَه مثل هذا الإِقرار على نفسه بوضع الشعرِ على ألسنة الشعراء ونسبته إليهم، ويضمِّنه طعناً على نفسه وعلى روايته وأستاذيَّتِه فيما اختُصَّ به من رواية الأشعار واللغة؟ وما نأَى بخلف، إن كان لابدَّ فاعلاً ليبرىء ذمته، أن يقرَّ بمثل هذا لكبار أصحابه أو تلامذته من البصريين، وهم كانوا أحقَّ بأن يعلموا ذلك منه، كأبى عمرو بن العلاء (٧٠-١٥٦ هـ تقريباً)، أو الأصمعى (١٢٣- ٢١٦ هـ)، أو من هو دونهما، من أصحاب التفتيش عن الشعر ورواته، كمحمد بن سلَّام الجُمَحىّ (١٣٩-٢٣١)، أو ممن بعدهم من أقران دعبل الكوفىّ، كالجاحظ نفسه؟"

 

أقول وهذا مزلق خطير وهو من الشيخ عجيب وجد عجيب! فإنّ عكس هذه المسألة هو الأصح بل هو الصحيح الذي يصعب أن يصح غيره، فالأخلق والأقمن والأحرى بخلف إن كان قد وضع هذه القصيدة على لسان تأبّط شرًا أو إن كان قد وضع أي قصيدة على لسان أي شاعر ألّا يبوح بذلك لأصحابه وألّا يبوح بذلك للعلماء الثقات الموثّقين عند الناس، لأنّ الأمانة تقتضي العلماء أن يفضحوه وتقتضي كل من يتلقى منهم أن يطّرحوه ليسقط بذلك من الأدب والتاريخ، والأحرى بالوضّاعين المستهترين المستكثرين الذي لا يبالون انغماز الأمانة شيئًا ما دون أن يلحقهم التشنيع الكامل المقصي، أقول الأحرى بهم حين الاستهتار والتكثّر ألّا يتكشّفوا بسوأتهم إلّا للأغراب، خاصةً إذا كان هؤلاء الأغراب ممن لا يوثّقونهم الناس ولا يحملون عنهم شيئًا كما قدّم الشيخ في شأن دعبل! فإنّه بذلك يروج هنا وهناك على عادة المتكثّرين، وإن كان ثبت في أمر خلف الوضع وأراد بعد طول الوضع أن يتوب فما الذي يمنعه من أن يكون كمن علمهم الشيخ محمود شاكر وخبرهم من أساتذته الكبار الذين يخطئون في العلن ويعتذرون في الخفاء كيلا يسقطون من التاريخ جملةً؟

 

ونمطٌ مخيف أخير، بل هو نمطٌ محيّر أرويه لك بعد أن أقول إنّي وجدتُ الشيخ قد قال في بداية بحثه:

"من نسبها إلى «خلف الأحمر» وزعم أنه نحلها «ابن أخت تأبط شراً»: أقدمهم، ابن قُتَيْبة في الشعر والشعراء وابن عبد ربّه في العقد، وكأنه إنما نقل ما نقله عن ابن قتيبة"

ثم عاد بعد صفحات قاطعًا يقول:

"وأمَّا نسبتها إلى خَلَفِ الأحمر، وأنه نَحلَهَا «ابن أخت تأبَّط شرّاً»، فأقدم من نعلمه قال ذلك، وانفرد به، وتابعه عليه من تابعه نقلاً عنه، فهو ابن قتيبة" 

فكأنّ "كأنّ" التي أتى بها الشيخ في شأن ما رواه ابن عبد ربه قد صارت بعد الصفحات ولا غير الصفحات شيئًا ليس من الشك، بل هو من اليقين! 

كل هذه المزالق خارجةٌ عن المزلق الذي استدركه الشيخ على نفسه حين تذكّر مقالة دعبل ليكون دعبل أول من نسبها لخلف.. 

وأمّا هذا النمط المحيّر المخيف فهو أنّ الشيخ حين كان في راحته الأولى يقول إن ابن قتيبة أول من نسب القصيدة لخلف، كان يضعّف نسبتها إلى خلف بأن يحط من قدر ابن قتيبة بالقياس إلى الجاحظ فيذكر أنّ الجاحظ كان "شيخه" وأدرى منه بخلف.. وحين عاد واستدرك على نفسه ووجد أن دعبلًا هو أول من نسبها لخلف، عاد فجعل ابن قتيبة تابعًا لشيخه، ولكن شيخه هذه المرّة ليس الجاحظ! بل دعبل الكذّاب الحاقد على أبي تمّام! فابن قتيبة عنده في الأولى ساقطٌ عما أسماه شيخًا له وهو الجاحظ، وابن قتيبة في المرة الثانية ساقطٌ لأنّه تابع لمن أسماه شيخًا له وهو دعبل! هذا نمطٌ محيّرٌ مخيف!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...