تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال
تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة!
- مساعد الرشيدي، رحمه الله
بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.
ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..
ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:
"إذا كان هذا الدمع يجري صبابةً
على غير ليلى فهو دمعٌ مضيّعُ"
فاللهم إن لم يكن كل هذا إليك فالعدم به أولى، واللهم إن لم تكن فيك الغاية فالراحة من الشقاء الضائع أجدر.. ويارب:
"إليك وإلّا لا تُشدُّ الركائبُ
ومنك وإلّا فالمؤمِّل خائبُ
وفيك وإلّا فالغرامُ مضيّعٌ
وعنك وإلّا فالمحدِّثُ كاذبُ"
والله المستعان..
هذا كلامٌ نشرته بعد بلوغ المئة في المدوّنة، وكان حقيقًا بي أن ألحظه قبل ذلك بزمن طويل فقد وصلتُ للمئة وجاوزتها بكثير من غير عدٍ ولا حساب ولا لحاظ، فقد فاتتني المحاسبة زمانًا طويلًا..
وعلى كل حال فبلوغُ المدوّنة مئةَ مقالةٍ هو لحظة من اللحظات التي تفرض على صاحبها وقفةَ مراجعة، لأن النفس البشرية تعقد بين الأرقام والعلامات عقدًا خفيًا؛ فإذا استدارت إلى رقمٍ تامٍّ توهّمت أنها استدارت إلى معنى تام، وقد استوقفتني المئةُ لا لشيءٍ فيها من السحر المزعوم للأعداد، ولكن لما جُبِلَت عليه النفس من أنها إذا انتهت إلى حدٍّ مألوف من العدّ التفتت وراءها، ثم التفتت أمامها، ثم أخذها من ذلك شيءٌ يشبه الغمّ، فإذا هو غمٌّ على الحقيقة، لا يتخفّف منه صاحبه بما يتخفّف به العابثون من الضحك والتمويه.. وبعد أن نشرت هذا الكلام تكاثرت علي الأسئلة من الصحاب الذين وجدوا فيما قلت سلوى وتعزية ومن الصحاب الذي وجدوا فيما قلت حالًا تشابه حالهم وتستعصي على التعزية والسلوى..
ولقد ثبت إلى نفسي بعد كل هذا الوجيب، أفكّر في هذه الهواجس والخطرات وأجدّ في أن أستخلص منها ما يبقي المهجة ويستنهض الهمّة، وما يجاوز حد الانفعال الخاص إلى الإفادة العامة، وقد وجدتُ ماهو متحقق معلوم من أنّ للكتابة سلطانًا عجيبًا على النفس؛ لأنها تجمع بين شهوة الخلود وشهوة البيان. فالكاتب يفرح إذا رأى أثره ممتدًا وعمله مقدرًا، ويضيق إذا ظن أن صوته يضيع في زحام الدنيا والناس. وهذا أمرٌ مركوز في طبيعة الأناسي ما دام فيهم بقيةٌ من حب الذكر وحب الإحسان. غير أن الفارق الدقيق الذي يُنجي صاحبه من الشقاء بهذه الطبيعة المركوزة، هو أن يعلم الإنسان ويستحضر في كل حين أنّ الذكر ثمرةٌ لا غاية وأنّه رزقٌ يمتنُّ به الله لا حقٌ يتقاضاه الإنسان في الدنيا شكرانًا لسعيه، وأنّ تعجيل المثوبة في الدنيا ليس هو مما يزدهي أهل اليقين العارفين..
إنّ العمل أيّ عمل إذا خلا من الغاية العليا صار هُزأةً في يد الرغبات الصغيرة، ترفعه يومًا وتضعه يومًا، وتُفرحه ساعة وتُحزنه ساعات، وتجعله أسيرًا لحساب المكافأة الناجزة والتقدير الرخيص وهو حساب لا يُضبط ولا يستقر.. وليس في الوجود غاية أرفع ولا أسمى ولا أمتن من تطلّب وجه الله تبارك وتعالى، إنّها غاية في المحل الأرفع والركن الركين المتين فإذا استقرت به غاية الإنسان استقرت الطمأنينة معه؛ إذ يستحيل العمل إلى عبادةٍ خالصة وإلى إحسان في الصنعة، وإلى صدق في النية، وصبر على السعي، وتركٍ لثمرة الظهور والخلود إلى مولاها الذي يقسم الحظوظ والأرزاق..
وهنا مجالٌ واسع لنظرةٍ متفائلة موزونة لا تُجامِل النفس ولا تُقسو عليها، وهو أنّ هذا الاغتمام حسنٌ وهو مطلوبٌ في كثير من الأحوال، على ضد ما يقوله الأخصائيون المتأثّرون بنظريات علم النفس الحديثة الناشئة في السياق الأوربي، فليس هو "متلازمة محتال" ولا هو مقصور على عوارض الدوبامين وليس هو قبيل الشعور الذي ينبغي نفيه قبل استقباله واستثماره، لأن هذا النفي من عمل الغفلة المتصلة واللهاث السادر الذي لا ينتهي.. وليس هذا الشعور عارضٌ من عوارض الاكتئاب الذي يجهدون في طرده، لأنّ الاكتئاب موت وأمّا الاغتمام الذي نحن بسبيله فهو دليل حياة؛ لأن فيه رفضًا للدعة ولأنّه يفتح بابًا للإنابة وتوسّم الغاية وبابًا للتفتيش عن الصدق والإخلاص.. والموتُ كل الموت في أن تنعدم هذه الحساسية أو أن يُهرب منها.
وأحسب أنّ السواء كل السواء هو في أن تُفتتح الأعمال بالنية الصادقة وأن تراجع هذه النيّة بين حينٍ وحين، وفي أن يُلزم المرء نفسه قسطًا ثابتًا من العمل لا يغترّ فيه بالكثرة ولا ييأس فيه من القلة، وأن يراقب قلبه كلما تحركت فيه شهوةُ الثناء والظهور، فيردّها إلى معنى الخدمة والنفع. فإذا فعل ذلك استراحت نفسه من استعباد الأرقام، وصار الموجود موضع شكرٍ ورضا، وصار المأمول إن جاء ثمرةً مباركة مشكورة، وإن فات لم يكن فواته مصيبةً ولا خسرانًا..
تعليقات
إرسال تعليق