التخطي إلى المحتوى الرئيسي

عاد حلّاق يجر حقيبته..


 

قرأت كتاب الدولة المستحيلة لوائل حلّاق بعد جدل أعقب صدوره، وكان ذلك في فترةٍ من الأحداث السياسية بعد ثورات الربيع العربي وبعد دخول المنطقة في الركود ودخول خطاب الإصلاح في ضربٍ من اليأس عَقِب فشل بعض النماذج الإسلاميّة.. 

قرأت الكتاب في ذلك الحين ثم سمعت صداه في الأبحاث والمقالات وأروقة الجامعات، ولكنّه كان صدى النظرية في أول قرعها، ثمّ إنّي أستعيد اليوم ملامح النظرية وأتسمّع أصداءها وهي تُختبر لأول مرة بعد نشرها.. 

رأيت طالبان تدخل كابل وتؤسس دولتها، ورأيت العالم لا يسألها أول ما يسأل عن شرعية نظامها ولا عن صدق شعارها ولا عن تاريخ فقهها ولا عن بلاغة خطابها، وأنّه يسألها قبل كل ذلك عن الالتزام بالأعراف الدولية والنُظم المركزية، وعن الاعتراف بالهيئات العالمية، ويسألها عن البنوك والأسواق وعن قوانين الحدود والعقوبات، وعن النساء والأقليات. ثم رأيت بعد ذلك دخول الثوار السوريين إلى ساحة الأمويين، ودخول الشرع إلى قصر الشعب، فرأيت المشهد نفس المشهد من وجهٍ غير ذلك الوجه، فهنا رجل خرج من عالم الثغور والخنادق والفصائل، فإذا به يُدفع دفعًا إلى لغة الدولة الحديثة؛ لغة الوفود والتطمينات، ولغة الحدود والتنازلات، ولغة التوازنات الإقليمية..

في هذه الرؤية ومن هذا المرئي، عاد حلّاق يجرّ حقيبته ليُدخل فيها سوريا وأفغانستان وغيرهما من الدول التي تنشئها الحركات الثائرة على الدولة الحديثة..

 

كان الكتاب يرفع عقيرته هذه المرة وهو يقول: إنّ الأسماء ألين الأشياء على الألسنة، وأعسرها حين تُطلب في الواقع على شروطه. فإنك تستطيع أن تقول: "دولة إسلامية" كما تقول "عدل" و"شريعة" و"أمة" وكما تنادي بغيرها من القيم والأمثلة والشعارات، غير أنك متى جاوزت الاسم إلى محنة الدولة الحديثة، خرجت من سعة اللفظ إلى ضيق الامتحان، ومن سماحة الدعوى إلى صرامة الشروط التي لا ترحم صاحبها لأنه أحسن القصد أو تفانى في خدمة قضيّته.. هناك يُسأل المشروع عن أصل التشريع وموضع السيادة فيه، وهناك يُسأل عن الجهة التي تصوغ التعليم وتدير المال وتطبع العملة وتملك السلاح.. وهذه الأسئلة لا تجيب عنها حرارة الإيمان بالفكرة، ولا يُجاب عنها باعتقاد خصوصية التاريخ والمثال، لأنّ الدولة الحديثة لا تفهم هذه اللغة أو هي لا تقر بها وإن احتاجت إليها لأغراض تحدّدها وتضبطها، ولأن الدولة الحديثة لا تقوم على صفاء الأمثلة والنماذج وإن زعمت أنها تحترمها، وإنما تقوم على جهازٍ ضخمٍ له منطقه وقوانينه، وله شهوته وسلاطينه، وله طبائعه التي لا تتبدل بتبديل الشعارات والرموز.. 

هنا عند حلّاق كان موضع الخديعة لمن يظن أن الدولة الحديثة تنتظر من يكسوها إرادة جديدة لتستحيل إلى حقيقة جديدة، فإنها جهاز ذو طبيعة راسخة، ولها سمات معروفة تسم بها من يتغيّاها، وهي سمات غائرة متجذّرة في تربة الدولة الحديثة، ويلخّصها حلّاق في خمس سمات، هي: 

أولًا: خصوصية التاريخ، ويقصد بها أنّ الدولة الحديثة كانت نتاج تاريخ أوروبي غربي محدد، وليست هي صورة كونية محايدة.

ثانيًا: الأساس الميتافيزيقي الذي قامت عليه الدولة الحديثة، أي أن الدولة الحديثة تقوم على إرادة داخلية سائدة، تجعل مرجع الدولة إلى الدولة نفسها. 

ثالثًا: مركزية التشريع وما يستتبعه من احتكار العنف، فالدولة هي من تُفرز القوانين وهي من تملك سلطة الإكراه والتنفيذ.. 

رابعًا: بنية الدولة، ويعني بها هيكلها البيروقراطي بما فيه من الوزارات والمحاكم ومجالس القرار. 

خامسًا: هيمنة الدولة على الثقافة والاجتماع، بما تعنيه من إنتاج الذات الوطنية، أي أن الدولة تصنع المواطن والهوية الوطنية بتحكّمها بالتعليم والمؤسسات والثقافة.  

هكذا يقيم حلّاق حدود المفاصلة بين حكم الإسلام والدولة الحديثة، وهو يوغل في المفاصلة إذ يرى أن تعريف الدولة التي تستجيب لحكم الإسلام هو غير تعريف الدولة القومية أو (دولة الأمّة - Nation State) وليس شعب الدولة التي تقيم حكم الإسلام عند حلّاق هو الشعب بمعناه الحديث في الدولة الحديثة وليس التشريع والقضاء والتعليم ساريًا في هذا الشعب من المركز إلى جميع الأطراف.. 


إنّ السؤال الأهم الذي يسأله كتاب الدولة المستحيلة هو: هل تستطيع الفكرة الإسلامية، بما هي نظام من الأخلاق والتشريع والاجتماع، أن تدخل قالب الدولة الحديثة ثم تخرج منه مستقلةً بفكرتها كما دخلت دون أن تصاب بلوثةٍ من لوثاته؟ أم أن قالب الدولة الحديثة يطبع الفكرة الإسلامية بطابعه فيشذّب أطرافها ويشكّل مادتها؟


كانت دار كولمبيا للنشر قد لخّصت فكرة الكتاب بلغة نافذة إذ قالت: "الدولة الإسلامية، بحسب معيار الدولة الحديثة، مستحيلة ومتناقضة في ذاتها." 

إنّ حلاق لا يقول في رسالته، إن المسلمين عجزوا عن إقامة دولة لأنهم ضعفاء أو متخلفون؛ فإن هذه أجوبة سهلة يتلاغط بها الخصوم ويتبادرونها. 

أمّا هو فيقول شيئًا وراء ذلك إذ يقول إن الدولة الإسلامية إذا قِيست بتعريف الدولة الحديثة فهي جسمٌ متناقض وهجينٌ نكد؛ لأن الدولة الحديثة تزعم السيادة المطلقة داخل حدودها، في حين أنّ الحكم الإسلامي في أصله يجعل السيادة العليا خارجة عن يد الدولة، فهي في الشرع والمعيار المتعالي، فلا يكون النظام بمؤسساته مالكًا للحق ولا مصدرًا للتشريع، وليس إنفاذ الشريعة في الحكم الإسلامي عنده من عمل السلطة التنفيذية وإنما هو من عمل الجماعة المسلمة.. 


قال حلّاق بالاستحالة، وأحسب أن أخطر ما في الكتاب ليس حكمه بالاستحالة فهو قول قد يُقال، بل هو قول قد قيل مضمّنًا في خطابات الإسلاميين في القرن الماضي، وهو بعض ما يستفاد من دعوات سيد قطب وأبي الأعلى المودودي وغيرهما من الإسلاميين من المفكرين وأصحاب الحركات الجهادية.. لكن أخطر مافي الكتاب فيما نظن هو طريقته التي ينزع بها الطمأنينة من القارئ.. 

فكثيرون هم الذين يريدون أن يخاصموا الدولة الحديثة باستعمال أدواتها، فيظنون أنهم إذا أمسكوا جهازها وغيّروا بعض مواده فقد غيّروا روحه، في حين أنها كما يصوّرها حلّاق: آلة تكوين، تصنع المواطن كما تصنع الموظف والجندي والطالب، وتعيد ترتيب المجتمع حتى لا يبقى فيه شيءٌ إلا مرّ من بوابتها أو خضع لرقابتها أو نال منها ترخيصًا فالتزم بضوابطها، فإذا عاد هذا المخاصم إلى الدولة من داخلها فإنّه لا يخاصمها إلّا كما شاءت له أن يخاصمها وكما رسمت له حدود المخاصمة والمعارضة..  

وهنا يتضح ما أسماه مسألة تقنيات الذات فهو يرى أن كل نظام من أنظمة الحكم يطلب إنسانه. فالدولة الحديثة تريد "مواطنًا" يعرف حدوده، وعَلمه، ونشيده، ورقم هويته، وواجباته أمام مؤسساتها، واستعداده للتضحية من أجلها. أمّا الحكم الإسلامي في الصورة التي يستحضرها حلاق، فكان يريد إنسانًا يتربّي بالتوحيد، وبالصلاة والزكاة، والحلال والحرام، والخشية والرجاء، ومراقبة النفس، ومراقبة الله.. إذن فالفرق هنا هو الفرق في موضع الإنسان نفسه من النظام.. 

 

حين انسحبت القوات الأمريكية من أفغانستان في عام 2021 ودخل الطلبة سريعًا إلى كابل، رأيت سؤال وائل حلّاق يمشي على قدمين في أطلال بلد منهك منكوب.. فطالبان ملكت الأرض، وهذا كثير في حساب الحرب والمقاومة، لكنها لم تملك الاعتراف، وهذا -بعدُ- كثيرٌ في حساب الدولة والسياسة الدولية. 

دخلت طالبان العاصمة، لكن أبواب المال والاقتصاد لم تُفتح لها. ودخلت القصر والبنك، دون أرصدة وأصول فقد ذكر تقرير لمجلس الأمن أن أزمة السيولة بعد سيطرة طالبان كان لها علاقة بتجميد تسعة مليارات دولار من الأصول الأفغانية وهذا يعني أن النظام الاقتصادي يلفظها..

في تلك اللحظة بدا لي أن الاحتلال لا يُجهَز عليه حين يُطرد من العاصمة وأنّه قد يأخذ بالعقوبات والأنظمة ما لم يحسمه بالمعارك والحروب.. 

إنّه قد ينسحب من الأرض ثم يبقى رابضًا على الأصول المجمدة، وعلى تأشيرات السفر، وعلى حركة الموانئ ويبقى ماثلًا في العجز عن تحويل الأموال، وفي خوف التجّار والمستثمرين.. 

 أما صعود الشرع في سوريا فقد بدا لي على صورة أخرى من المسألة نفسها، كأن التاريخ أراد أن يعرض علينا المثال ونقيضه في ساحة واحدة. 

طالبان تدفع ثمن الانعزال إلى أقصاه، وسوريا الجديدة تبذل ثمن الاندراج في النظام الدولي من التزام محرريها ومن أسباب تحريرهم وثورتهم.. 

صار الجولاني: الشرع.. 

وكان التواصل الأمريكي المبكر مع أحمد الشرع، ورفع المكافأة التي تدلي بمعلومات عن الجولاني في ديسمبر 2024، علامة على أن خطاب التحرير لم يعد بيانًا ثوريًا، وأنّه صار اختبارًا من اختبارات السياسة المؤهِلة للدخول في شبكة الاعترافات والمصالح.

وأنا لا أذكر طالبان والشرع هنا لأقيسهما بمقياس واحد، ولا لأجعل التجربتين سواء في النشأة والمآل، ولا لأنّي أعتقد أنهما يحتكران تمثيل الإسلام في العصر الحديث، فذلك تبسيط عندي يفسد النظر. ولكنّي أذكرهما لأنهما أقربَ النماذج المعاصرة إلى امتحان سؤال حلّاق وإن كان هذا القرب قربًا في التصور والخيال، إذ إنّ هذين النموذجين يحاولان أن يجيبا بالعمل عن سؤال حلاق إذ ظل يسأل: ماذا يبقى من المشروع حين يدخل امتحان الدولة؟ 

اختارت طالبان العزلة، أو دُفعت إليها دفعًا عظيمًا، فظهر من ذلك أن السيطرة على الداخل لا تكفي لإطعام الداخل وهو ما يعني أن نموذج الدولة الحديثة عند حلّاق يطحن النموذج الإسلامي. أمّا سوريا الجديدة فقد اختارت الاندماج، أو اضطرت إلى قدرٍ عظيم منه، فظهر من ذلك أن الدولة الناشئة لا تنهض من حيث تريد، ولكن من حيث يسمح لها النظام الدولي.. 


 *** 

كان وائل حلّاق حين يقول باستحالة الدولة الإسلاميّة لا يستحضر تجاربها في التاريخ، فالدولة الإسلامية عنده فكرة في الذهن، وكان يقول باستحالتها وهو يبسط القول في نقد الحداثة الغربية، وكان في كتابه إغماض ما ووعورة ما، وفي أسلوبه سيولة، وقد أغرت هذه السيولة الإسلاميين والحداثيين على السواء فللكتاب أنصار من الإسلاميين والحداثيين وله أعداء من الإسلاميين والحداثيين.. 

أما من ناصره من الإسلاميين فقد ناصر الكتاب من جهة أنه فضح مركزية الدولة الحديثة، ونزع عنها حيادها المزعوم، ووجد في الكتاب شهادةً من ناقدٍ للحداثة على أن المأزق ليس في الشريعة، وإنما في القالب السياسي الحديث الذي يراد حشر الشريعة فيه.

وأمّا من نقم من الإسلاميين فلأنّهم وجدوا أنه انتهى إلى إغلاق الباب في وجوههم؛ فهو يقطع الرجاء في إصلاح الدولة الحديثة بقصد أن تكون إسلامية، ويرى أن الطلب في أصله متناقض مستحيل. وهذا عند من فهم الكتاب منهم: حكمٌ يُعطّل الخيال السياسي الإسلامي، ويحوّل نقد الحداثة من عونٍ لهم إلى حجةٍ عليهم.. 

ونقم على الكتاب من الإسلاميين من لم يفهمه وظنّه يقول بأنّ الإسلام ليس صالحًا لكل زمان ومكان، في حين أنّ الرجل قال بإمكان الدولة ولكنّه شرط لإمكانها الإبداع وشرط لها قوةً تغيّر شكل النظام القائم كما غير النظام القائم شكل النظام القديم..

 وأما من ناصر الكتاب من الحداثيين فلأنّه أمدّهم بما يستطيعون معه أن يقولوا: إن الإسلام السياسي لا يستطيع أن ينجو من تناقضه إذا دخل الدولة الحديثة.. 

وناصر الكتاب من الحداثيين من لم يفهمه وظنّه يهدم إمكان قيام الدولة الإسلامية في غير الأزمنة الغابرة. 

وأمّا من نقم على الكتاب من الحداثيين فلأن الكتاب لم ينتقد الإسلام من داخل المسلّمات الحداثية المألوفة، ولأنه فوق ذلك نقد الحداثة نفسها، وجرّد الدولة الحديثة من ادّعائها الأخلاقي..

 

*** 


إنّها نظرية عنيدة مباشرة مستفزّة..


نقول إنها مستفزة، وهي مستفزة لكثيرين.. لأننا لا ننكر أن يكون قدرٌ كبير مما أحاط بها من الجدال إنما كان بسبب ما اكتنفها من الهيئة والمظهر والسياق، فهي استفزّت بعنوانها أولًا واستعدت به الخصوم قبل القراءة، ثم إنّها استفزت كثيرًا ممن لم يكونوا ليحفلوا بها لولا أنّها صدرت عن رجل يُعجب بالإسلام ولا يدين به، وعن رجل يعيش في الغرب ويحاضر في أعرق جامعاته، ويعرف الحداثة تمام العرفان وهو مع ذلك ينتقدها.. ويبقى مع ذلك أنّها مستحقةٌ للتقدير والاحتفال لمكانها من السعة ومكانها من الإحكام.. 


وقلنا إنها مباشرة، لأنّ وائل حلّاق كان يقول بالمعنى دون اللفظ: إنّ الدولة الحديثة كافرة بكل صورها، والإسلام يستحيل عليه أن يواطن الكفر؛ فيستحيل على الإسلام إذن أن يواطن الدولة الحديثة، ولم يزعم وائل حلّاق لنظريته غير هذه المباشرة.. 

ثم اتسعت النظرية وأغرت بمناقشتها وأغرت بمخالفتها لأنّ صاحبها سلك إلى نتائجه بمنهج واسع متشعب الروافد يرفده شيء من بنيوية فوكو وما بعد بنيويته، ويرفده شيءٌ من نقدية كانط وشيءٌ من طريقة مدرسة فرانكفورت الألمانية، ولأنّ بصاحبها نفسًا يساريًا في نقده للحداثة، ونفسًا صوفيًا حين يتطلع إلى المثال؛ وفي الصوفية من المثالية ما يستحيل في كثيرٍ من الأحيان إلى عدميةٍ رقيقة، تأنف من الواقع لأنها تريد له طهارةً لا يحتملها. وليس غريبًا بعد ذلك أن نراه يُعجب بطه عبد الرحمن وأبي حامد الغزالي وأنّه -بصوفيةٍ ما- لا يقترح البدائل ولا يبحث عن الحلول لأنّه يطلب من السياسة ما لا تطيقه السياسة، ومن الدولة ما لا تحتمله الدولة، ومن التاريخ ما يخرج به عن طبيعته البشرية الناقصة..


وقلنا إنها نظرية عنيدة، لأنّها عصيّة على التصنيف فمقولاتها عابرة للاختصاص، فهي منطوية على مقولة في الفلسفة ومقولة في السياسة ومقولة في التاريخ.. ولكننا نخرجُ من النظرية ومن عنادها، لأننا نرى أنّ الزمان أوسع من النظرية وأنّه في كل حين يُفسح المجال للنظام الإسلامي.. 

ولتكن الدولة الإسلامية مستحيلة في الدولة الحديثة، فقد كانت مستحيلة في الدولة الوثنية وفي النظام الوثني القديم الذي استحق من الله تبارك وتعالى أن ينظر إلى أهل الأرض فيمقتهم جميعًا عربهم وعجمهم، ثمّ كانت الدولة الإسلامية فما يمنعها أن تكون أو يمنع من أنها كائنة! 

ونحسبُ أننا نفتح كوةً في جدار اليأس حين نسأل: هل الدولة الحديثة في شكلها الحداثي الخاضع للنظام الدولي حتمٌ لا مفر منه؟ إننا لا نرى أنّ النظام الدولي كلي القدرة ولا محكم الإطباق، ونحنُ نفرّق بين الدولة الحديثة بإطلاق وبين الدولة الحداثية.. فقد تكون الدولة حديثة وليست حداثية.. فالحداثة -على غير معنى الجِدة-: نظام يُدخل على الإسلام الضيمَ، كما يَدخل الضيمُ على الإسلام من غيره مما لا يتوافق معه من الأنظمة القديمة. 

وهل هو حتمٌ على الإسلام في التطبيق أن يكون مثل الإسلام في الدعوة بالتمام؟ إن دعوة الإسلام دعوة إلهية كاملة، ولكن موضوعها عالم ناقص مخلوق، والقائمون بهذه الدعوة في كل عصر ومصر بشرٌ يعتريهم النقص والقصور..  

ونحنُ نعسّر اليسير ونحجّر الواسع إذا ظننا أنّ تجربة الحكم في الإسلام أصفى مما كانت.. فالتاريخ الإسلامي لم يكن جنةً من الأخلاق تسير فيها السلطة خاشعة بين العلماء والقضاة، ولم يكن السلطان على الدوام محكومًا بالشرع كما يُرجى وينبغي، فقد عرف التاريخ الإسلامي قبل الدولة الحديثة طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، وعرف جور الأقضية، ومظالم السياسة. ولكن الفرق أن تلك الانحرافات كانت تُرى كما هي فتُرى على أنّها خارجةٌ على معيارٍ هو أعلى من الدولة، أما الدولة الحداثية فإنها تجعل معيارها كامنًا فيها، ولذا ظلّت على الدوام تسوّغ انحرافاتها.. 


لقد عاد حلّاق يجرّ حقيبته، نعم.. 

ونحنُ نخرج من نطاق الاستحالة عند حلّاق كذلك إذا خرجنا من شكل العالم القائم.. ومهما يكن الأمر في عزلة طالبان، فإنّ دخول الطلبة إلى كابل على كل حال هو صورةٌ من صور اختلال النظام الدولي الذي كان يحتكر تعريف الدولة الحديثة، لأنّ هذا النظام منذ استوائه قبل أكثر من سبعين سنة ظل يُحكم خناقه على الدول التي رفضت أن تنضوي تحت لوائه، فأخذ يفككها دولةً دولة، فأن تُولد بعد هذا المسار الممتد دولةٌ تخرج عليه لهو دليلٌ على ضعفٍ يعتريه في ناحيةٍ من أنحائه، وأن تكون الدولة التي خرجت عليه خرجت من براثن الدولة التي ضمنت امتداد النظام؛ فهو أمرٌ يعجّل دبيب الوهن والضعف في أوصال هذا النظام.. ومهما يكن من شأن التجربة السورية فإنّ أصل نشوئها بجوار الكيان الصهيوني الذي أُنشئ في ظروف النظام الدولي القائم وضمن بقاءه بهياكله وقوانينه، لهو دليل على فراغٍ في هذا النظام يسمح في كل حين بالحركة داخله على الرغم من طول المراقبة وشدة القيود.. 

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...