كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..
عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.
إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحوظة لا عزلةً معزولة..
وعلى كل حال فإنّ الإنسان لا يفرّ من الخلق إلى مكانٍ خالٍ من الخلق، وإنما يفرّ من صورةٍ لهم إلى صورةٍ لهم أخرى، وهو حين يعتزل المخالطة المباشرة إلى المخالطة في الفضاء الرقمي إنما يعتزل الامتحان المباشر ولكنّه لا يعتزل الامتحان المستتر، وقد يكون الامتحان المستتر أغلظ في الأذى لأنه يجيء مجردًا من الحياء ومن رقابة العين ومهابة الحضور، فالناس في الطرقات والمجامع يحملون عيوبهم الظاهرة التي لا تخفى، ويشهرونها في أحوالٍ تشرح لك بعض عذرهم أو تكشف لك عن بعض عللهم، أما حين يتخففون من تلك القيود ويدخلون فضاءً لا وجه له ولا مجلس، فإنّه يَصدُر عنهم ما كانت العادة تؤدّبه، وما كان حضور الناس يردّه إلى بعض التحفّظ والاتزان..
وفي هذا الفضاء الرقمي خدعة أخرى على النقيض من هذه، وهي ألطف مظهرًا وأشد نفاذًا، وهي خدعة الأطهار المصنوعين.
ففي الحياة الرقمية يستطيع الرجل أن يدّعي ما شاء من النُبل، ثم لا يأخذ ثأر الحقيقة من دعواه إلّا طول العِشرة؛ ففي حياة المواقع تختار النفس لحظتها التي تريد عرضها كما يختار المصور زاويته التي يريد أن يصورها أو يصور منها، وتعرض النفس من أخلاقها ما كَمُل تزويقه، وتخفي من طباعها ما يفضح المظهر لو بان منه طرف وإن كان يسيرًا.. ولا بأس في الاحتشام والاستتار، بل إنّ هذا هو المطلوب والمأمول في عالم الافتراض الذي لا خطام له، ولكن من أجل ذلك ومن أجل سهولة الإخفاء والمواراة كان احتمال الانخداع بالصالحين المموّهين في المواقع أوسع وأقرب؛ لأن صناعة الوقار في المواقع أقل كلفةً ومؤونة..
إنّه عالمٌ يموج بالنفاق ويفيض بالصور التي لا تُبين عن موادها..
يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنّه قال: "خذوا بحظكم من العزلة"..
ولابد للإنسان من خلوة كي يَطهُر، ولابدّ لهذه الخلوة أن تكون عن عالم الواقع والمواقع على السواء وليس بمعتزلٍ من يعتزل حالًا دون حال وحضورًا دون حضور..
جاء في كتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: عن يوسف بن أسباط قال: كنت مع سفيان الثوري في المسجد الحرام، فقال: "والله الذي لا إله إلا هو، ورب هذه الكعبة لقد حلت العزلة"
ولو كان الثوري في زماننا لكان يحتجب عن الناس في الحالين لأن البليّة حاصلةٌ في الحالين..
فمن يظن أنّ التخفّف من مخالطة الناس في الحياة المباشرة والمعاش اليومي ينقّي الإنسان من شوائب الكدر والنجاسة، وأنّ الفضاء الرقمي الافتراضي أنقى من الحياة المباشرة لأنّه فضاء تشكّله كما تشاء، وتختار فيه من تشاء؛ أقول من كان يظنّ ذلك فهو واهم. فهذا الفضاء يجمع من صنوف المعتلّين وضروب الاعتلال ما يندر أن يعرض للإنسان في عمره القصير بين الناس.
إنّك هنا تصادف ضربًا من الاعتلال، ونوعًا من المعتلّين، لم تطقهما الحياة اليومية، فلفظتهما إلى هذا الفضاء المفترض.
وما أُحبُّ أن أقسو على الإنسانية إذا احتجتُ أن أقسو على بعض أفرادها المعتلّين، والعدل خير والعدل في تمام النظر، ومن تمام النظر في الناس أن نرى طرفي الأمر معًا؛ فإنّ الإنسانية التي يفسدها الاختلاط أو يفضحها في بعض أفرادها، قد يزكيها الاختلاط في نفسٍ أخرى ويزيدها طهارةً ورفقًا..
قال الحبيب المصطفى الذي خالط الأعراب والمشركين والأجلاف والمنافقين واليهود والكائدين واضطُر للتعرّض للناس ولمخالطتهم على تفاوت أقدارهم وطباعهم وهو مع ذلك أطهر الخلق طُرًا، قال صلوات ربّي وسلامه عليه:
"المؤمِنُ الذي يُخالِطُ الناسِ ويَصبِرُ على أذاهُمْ، أفضلُ من المؤمِنِ الَّذي لا يُخالِطُ النَّاسَ ولا يَصبرُ على أذاهُمْ"
ولقد رأيت من الناس من يدخل الزحام اللاغط المحتشد كما يدخل العابر حديقةً بكل ما فيها من هدوء وأريحية لا كما يدخل القاصد سوقًا بكل ما يكتنفه من اللجاجة وترك الاحتشام، يدخل هؤلاء الزحام فيخرجون من مطالب الخلق ومساوماتهم وغلظتهم بشيءٍ من السلامة يعجب لها من عرف ما في الدنيا من كزازة الأخلاق وجلافة الأطباع..
إنّ من الناس أهل سماحة وجود ومنازع ملائكية، يخالطون الناس في كل يوم ويتعرضون لمطالب الحقوق والواجبات ويضطرون لكل ما يضطر إليه الحاذق العارف بمآخذ الناس وشكولهم.. ولكن لصفاء سرائرهم ونقاء نواياهم وسماحة مآخذهم تكاد تجزم أنهم باقون على الغفلة الأولى التي لم يكدّر صفوها مخالطة الناس..
في صحبة هؤلاء يعرف المرء أنّ فساد الناس حجةٌ على ضعف الإنسان، وأن صلاح بعضهم حجةٌ أبلغ بيانًا على إمكان الترقي، وفي صحبة هؤلاء يوقن الإنسان أنّ النفس وإن خالطت الأرجاس فإنّه يبقى منها موضعٌ لا يمسه الدنس ولا يؤثّر فيه.
هم قومٌ صحبتهم تَرقٍّ، ومجالستهم عروج، وأيسر ما ينفحونك به من نسائم البركة هو سلامة الصدر وإحسان الظنون وأن يجعلوك تتأمّل في معارج الكمال وبروج الهمم وتسأل الله العزيمة والقَبول..
أتأمّل في السر الذي انطوت عليه نفوسهم الزكيّة فاستطاعت به الصمود، وأتأمّل في هذا الضرب من العبقريّة المصنوعة على عين الله، فأجدُ أنّهم صمدوا في الناس لا لأنّهم لم يعرفوا ما في الناس، ولا لأنّهم غفلوا عن مواقع الفتنة ومطالع الخبث ومداخل الحسد، ولكن لأنّهم عرفوا شيئًا أعظم من الناس فهان عليهم الناس، عرفوا الحقّ تبارك وتعالى معرفةً سكّنت نفوسهم في حضرته، فلم تعد مخالطة الخلق تُربكهم، ولا عاد صخب المجالس يزعجهم عن خلواتهم، ولا عادت ظلمة النفوس تطفئ فيهم السراج الذي أوقدوه من مشكاة الاتصال بالكامل العلي..
جاء في كتاب سير أعلام النبلاء: "عن نعيم بن حَمَّاد قال: كان ابن المبارك يُكثر الجلوسَ في بيته، فقيل له: ألا تستوحِشُ؟ فقال: كيف أستوحشُ وأنا مع النبي ﷺ وأصحابه؟!"
وجاء في اللطائف والظرائف لأبي منصور الثعالبي:
"من لزم الخلوة بربه، حصل في العيش الأمتع والحي الأمنع"
وجاء في الحلية:
"عن أحمد بن أبي الحواري قال: قيل لعبد العزيز الراسبي وكانت رابعة تسميه سيد العابدين - ما بقي مما تلذ به؟ قال: سرداب أخلو به فيه"
هؤلاء قومٌ وإنّ كان لهم في الناس حضور، فإنّ لهم مع الله غيبة عن كل ما يدنّسه الحضور؛ تراهم إذا خالطوا لم يختلط أصلهم، وإذا مسّوا الكدر فهو المس على مقتضى البشرية، ولكن التطلّع إلى الملائكية لا يعدو بهذا المس إلى الاستقرار في قرارهم، لأنّ لهم في كل يوم غُسلًا خفيًا لا يراه الناس؛ يغسلون به قلوبهم من غبار المخالطة، فينقشع سريعًا كما يغسل المرء يديه مما علق بهما من أثر العمل والمعالجة.
ومن لم تكن له خلوةٌ بهذا المعنى، أكلته الخلطة ولو اعتزل بجسده، ومن كانت له هذه الخلوة، صحب الناس دون أن يضيع فيهم..
لهذا صمد أولئك الأطهار في أوحال الدنيا؛ لأنهم لم يجعلوا طهارتهم معلّقةً برضا الناس ولا بصفاء المجالس ولا بحسن الزمان، وإنما علّقوها بمن لا يتغيّر إذا تغيّر الناس وتغيّرت المجالس وتغيّر الزمان، أناطوا سكينتهم وطهرهم بالكامل الذي لا ينقص إذا نقصت الدنيا، وبالدائم الذي لا يغيب إذا غابت الوجوه، وبالظاهر الذي لا يخفى إذا أظلمت الأنواء وأُطفئت الأنوار وخفتت الأصوات.. عرفوا الحق فاستصغروا أذى الخلق من غير أن يحتقروا الخلق، ورأوا عيوب أنفسهم فرفقوا بعيوب الناس، وذاقوا شيئًا من برد اليقين فصارت الدنيا بوعثائها وكآبتها مما يُحتمل ويُطاق..
من رأى هؤلاء علم أنّ مخالطة الناس لا تفسد كل قلب مثلما يعلم من غيرهم أنّ العزلة لا تطهّر كل نفس، وأنّ المدار كلّه على الحبل الذي يتعلق به الإنسان حين يمدّ يده إلى العالم من تحته. فإن تعلّق بحبل الثناء انقطع، وإن تعلّق بحبل المكافأة انخدع، وإن تعلّق بحبل الناس دار معهم حيث داروا، وإن تعلّق بحبل الله ثبت ثبوت الجبال الراسية في مهابّ الرياح العاتية..
بارك الله البيان وأمدّه أبدا.. لا أذكر أني قرأت في العزلة شموليا هكذا، وكلما قلت: فات معنى، إذا به يأتي في إثر صاحبه.. كثير من الكلمات (الجُمل) هنا تصلح اقتباسات فاخرة! أخيرا ثمة خطأ مصبعي في أحرف "المصطفى" صلى الله عليه وسلم، هُديتم ووقيتم
ردحذف