التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كي لا تسرق سينمانا



الفن هو أحد الركائز الخمس الأساسية مع الدين واللغة والتاريخ ومقدرات الأرض_ التي تقوم بها حضارات الأمم، وهو من أهم الخصائص التي تُميّز بها ثقافاتها ويُقاس بها مدى تأثيرها على الحضارات الأخرى، فيزيد متى ما حسُن استغلاله في إظهار قيم الأمة ومحاسنها وحُوفظ عليه من الاختراق الخارجي. 

والسينما حسب تصنيف إيتيان سوريو هي الفن السابع وهي اليوم على غير بدايتها تعد ملتقى الفنون من حيث كونها الفن الوحيد القادر على جمع أخواتها من الفنون في عمل فنّي شامل ومتناسق كما تعد من أهم الفنون التي يعتبر تأثيرها متعدٍ وفعّال وسريع. وهو تأثيرٌ في المقابل ذو حدّين.



وفي هذا المقال لستُ بصدد التحدث عن حكمها الشرعي ولا عن ذرائع المحافظين وتبريرات المنفتحين فقد عجّت الساحة بذلك في الأيام الخالية وقُضي الأمر الذي اُختصم فيه وصارت السينما الآن واقعًا ولات حين مناص، لكن يجب علينا الآن أن نسعى لكسب الحد الأقصى من الاستفادة منها وإلا سيكون فننا في عداد المخطوفين.. 

والآن مع السماح بافتتاح دور للسينما يزداد الحمل على وزارة الإعلام والمجتمع باستغلالها للتأثير على الحضارات العالمية والمجتمعات الأجنبية وتحسين صورتنا أمام العالم والتي لُفّقت وشُوّهت باستخدام هذا الفن من قبل أعدائنا  فهي تعتبر من أكثر الوسائل المستخدمة في تزوير الحقائق وتشويه الخصوم وزرع الانطباعات وتأليب الجماهير كما تعتبر من أكثر الأسلحة فتكًا وتدميرًا للهوية والأخلاق وتحث على استنساخ المُشاهد لثقافة الصانع والقبول بها كاملةً إذا ما بُهر بها وفي المقابل أيضًا تعتبر من أعمق وسائل القوة الرابعة في ترسيخ القيم والمبادئ في أفراد المجتمع المحلي وفي التأثير أيضًا على المجتمعات والحضارات الأجنبية بشكل غير مباشر عن طريق الرسائل الضمنية، كما أنها من أنجع وسائل الدعوة إذا ما حسُن استخدامها. ولكي نلتحق بالركب مع حماية حضارتنا من الاختطاف؛ يجب علينا أسلمة السينما وضبط محتواها وقصرها على المنتجين المحليين وعلى الصناعة الفنيّة الوطنية المتوافقة مع صميم الموروث الشعبي والثقافة المحلية، والتي تعكس بصدقٍ صورة الفرد العربي المسلم وتخدم المرجعية الدينية والدعاية الوطنية، وتناقش قضايا المجتمع الاقتصادية والاجتماعية وتقوّم ما اعوجّ منها وفق منهجية مدروسة ومعزّزة بأبحاث في مجال التأثير السينمائي، بعيدًا عن انتهاج ما نرى بوادره الان وهو الجانب الأخطر المتمثل في صناعة غربية سينمائية بالكامل من السيناريو إلى الإخراج. ويجب أن تكون -أيضًا- بعيدةً تمامًا عن إنتاج سنين المسلسلات التلفزيونية العجاف التي كانت تعطي للمجتمعات الأجنبية صورةً نمطية خاطئةً عن الأسرة العربيّة والمجتمع العربي، هذا إن استحقت المشاهدة حقًا! 

 فالأمة التي ما استطاعت أن تصنع فنّها لا تستطيع أن تنهض بصناعتها وستظل قابعةً في ظلام التخلّف تنشد الخلاص من حاضرها بالبكاء المجرّد على ماضيها.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...