مما لا يخفى على
الجميع أننا نعيش عصر "المعلومات السريعة" وتعدد المصادر، حيث
تتمثل هذه السرعة في جانبين: أولهما حسنٌ، وهو سرعة الوصول إلى المعلومة. أما الجانب الآخر
والذي هو موضوع هذه المقالة هو: سرعة تقلّد المعلومات، وهيَ في معيار النفع على النقيض من الجانب
الأول، فهي مذمومة وخطيرة أيضًا، لما لها من مضارٍ فكريّة وعقائديّة وثقافية وصحيّة، خصوصًا وأننا في زمن التعبير السريع السهل المتعدد المنابر.
ويكمن الخطر في أن
المتلقّف لها قد يكونُ قاصدًا تبنّيها إمّا لسذاجةٍ وكسل، أو أنه متأثر
بسُلطات فكريّة كامنة في شخصيته ويجدها في مضمون المعلومات بشكل خفي كسلطة "الجديد"
و"القديم" و"الغريب" و"المختلف" و"فعل
الأكثرية" وقد يكون متشربًا للمعلومة تشربًا غير واضحٍ له، حيث تتجمع هذه المعلومات
والأفكار في العقل الباطن حتّى تحين ساعة النقاش فتبرز لمجرّد المشاركة أحيانًا، أو
لدواعي السلطات السابقة فتتأصل عند صاحبها أو يتأثر بها غيره.
والكثير من المشاكل
العقائدية والانحرافات الفكريّة لدى الشباب العربي كان سببها من الأساس هو
الاندفاع إلى الساحة الثقافيّة ومنصات الشبهات الفكرية وهم عراة الصدر من دروع
الوقاية الدينية وأسلحة التأصيل الشرعي وانضباط المنهج العلمي في التدقيق والاستجابة، فيتلقون هذه المعلومات السريعة ويتأثرون
بها وهم يفتقدون لأبسط سُبل البحث ومعايير القبول.
وكم تشكّلت تصورات
واعتقادات وأقلام من أطروحات مبنيّة على شبهات طارفة وهزيلة لكنّها أودت بأفكار
أصحابها وعقائدهم، فانحرفوا عن سبيل الحق وتاهوا في ممرات الشك والحيرة والضلال ولو
أنها عُرضت على أبسط موازين النقد والتحليل لما صمدت ساعةً من نهار. ومن هنا تبرز
أهميّة الدور الوقائي للعقول.
فمن أهم وأنجع سُبل
الوقاية من مآلات "المعلومات السريعة" ومضارها هو تكوين العقل الناقد
المتفحّص الذي من أبرز صفاته التفكّر والتعقّل والتأني قبل التبنّي، وقد أشار الله جلّ
في علاه في محكم تنزيله إلى أهميّة تكوين " العقل الناقد " في عدّة آيات، محفّزًا عباده في غير ما موضع على التعقّل والتثبّت والتفكّر والتدبر.
و كما ذكرنا أن من أهم
خصائص العقل الناقد " التأني " وتعتبر هذه الخاصيّة من أولى احتياطاته، وانظر
إلى هذا التأديب الرباني والتدريب على التمهّل والتأني في قوله عز وجل
(هُوَ الَّذِي خَلَقَ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)
يقول
الشيخ ابن عثيمين في تفسير هذه الآية
"خلقها في ستَّة أيام -والله أعلم- لحكمتين:... الثَّانية:
أنَّ الله علَّم عباده التُّؤدة والتَّأنِّي، وأنَّ الأهم إحكام الشَّيء لا الفراغ
منه، حتى يتأنَّى الإنسان فيما يصنعه، فعلَّم الله -سبحانه- عباده التَّأنِّي في
الأمور التي هم قادرون عليها"
إذًا فالتأني خاصيّة
مهمة جدًا حتّى مع القدرة على سرعة الاستجابة والقبول، لما كان لها من الأثر البالغ على نضج التكوين واستكماله، والتفكير قبل التقرير
يتيح للعقل الفرصة لمقارنة المعلومات واكتشاف حيثياتها.
ويُشير الحق -تبارك وتعالى- في
استكمال السورة إلى المزّية الثانية وهي التثبّت من صحّة المعلومة والتأكد من
مصداقيّة مصدرها فقال عز من قائل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن
جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ
فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) ففي هذه الآية يحض الله عز وجل
على التبيّن من صحة الأخبار الواردة على المرء ويكون من باب أولى "التبيّن والتثبّت" عند الباحث عن المعلومة فضلًا عن ناقلها.
ومن احتياطات العقل
الناقد ومميزاته أيضًا: سبر المعلومات وتفنيد حقائقها وتجريدها من مؤثرات مصدرها
ومعرفة سياقاتها التاريخية إذا تطلبت، ومقارنتها وتحليلها وتفنيد المغالطات
المنطقيّة إن وجدت.
كما يقبل العقل الناقد المعلومة متى ما توفّرت لديه الأدلّة الصريحة
والحجج الصحيحة فمعيار امتيازه لا يكون بمقدار ما يرفض من معلومات وأفكار، فكثير من
المذاهب والتيارات الفكريّة الضّالة ترد الحق وتنتهج التشكيك في كل ما يعرض عليها، بل يتميّز هذا العقل بنوعيّة ما يقبل من أفكار ومدى قربها من الحق ونوعيّة ما يرفض
ومدى قربها للظلال.
ولما كان العقل يستثقل طُرق "التثبّت" أو يجهلها؛ سهُل
على صانعي المحتوى ووسائل إعلام الهوى تشكيل وعي تلك العقول واقتيادها كيفما
أرادوا وإلى حيثما نادوا. ومتى تريّث الإنسان وسبر أغوار الأخبار ونوّع في مصادرها
وتجرّد في تقييمها من العواطف الطائشة استطاع أن يميّز خيرها من شرها وغثّها عن
سمينها.
تعليقات
إرسال تعليق