التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الستين

أكتب هذا المساء وقد استهللتُ عقدي الثالث وكنت أفكر وأسبر ما مضى من عمري وفيمَ انقضى؟ وكيف سأستقبل ما بقيَ لي، ولم يلبث أن أخذني التفكير جارًا معه القلم وخالطًا حبره بألم، هناك إلى ما بعد الستين، هناك لمُستقبلٍ لا أعلم منه شيئًا، لأكتب حالي فيه، ولأتذكّر ما أنا عليه الآن حينما أبلغ هذا العمر، أحقًا سأبلغه يا ترى! أم زورًا ما أتمنى ههنا! ويا هل ترى على أي حالٍ سأكون إن بلغته! وكيف حال قلمي حينها بل كيف مُحرّك القلم وقتئذ! وكفى بالمرء جهلًا أنه لا يستطيع استشراف مستقبله! وقد خُلق الإنسان جهولًا، وكفى به ضعفًا أنه لا يقدر على استرداد ماضيه! وقد جُبِل ضعيفًا، وكفى به حسرةً إذا مضى به -على غفلةٍ منه- قطار العُمر ولم يستدرك منه ما يفخر به في دُنياه وما يرضاه إن قابل في الآخرة مولاه.

أطال الله أعمارنا على طاعته، وعلى نعمة منه وعافية، وجعلنا من العابرين خفافًا كفافًا لا نُثقل ولا نستثقل وغفر لنا ما قدّمنا وما أخرنا.

ثم إني قضيت تلك الليلة مُطرقًا واجمًا أتفكّر وأحاول أن أعيش ذلك العقد، وأين أنا فيه من المجد لو أني لم أفترش اللحد فكان هذا الذي كتبت:

 

كم أنا مُتشوّق لرؤية مكتوبي هذا بعد أربعة عقود من تحريره رغم أني أعلمُ يقينًا بأني سأكون حزينًا حينها حزنًا أشدُّ من هذا الشوق المتطفّل، لا أتنبأ بمستقبل مُحزن ولكن حسبي من الحُزن أنّ ماكنُت عليه قد تحوّل، واحتمل أحداثه وتفاصيله، وارتحل وأدبر باتجاه الماضي وأقفر، وحسبي أنّي لن أستقبل من عمري أكثر مما استدبر، وكيف لي ألّا أحزن وكل جميلةٍ من لحظات أيامي قد تقادم عهدها ولا أملك عندها أن أستذكرها على طريقة آنس بها! كيف لا أحزن وكل قبيحةٍ من الماضي عظُم ودّها وتمنيت ردّها! كيف لا أحزن على الآمال وقد استحالت أطلالًا بعد عقودٍ وأجيال وما بقي غير استيفاء الآجال. كيف لا أحزن وقد تجعّدت يداي اللتان سأبحث بهما عن هذا المقال الذي كنتُ قد كتبته بهما سليمتين! كيف لا أحزن وقد عشي بصري، وغبش نور ظُهْري، ولن أستطيع أن أقرأ ما كتبت إلّا بمصاحبة نظّارتي تلك الصديقة الحميمة التي لم يكُن مُرحبًا بها في بادئ الأمر غير أنها لازمتني حتّى ألفتها وما ألفيتُ بدًا عنها ولا مندوحة، كيف لا أحزن وهذه عصاي بيميني أهش بها ما سلف من عُمري وأتوكأ بها على ما بقي كأني أُوّتده في الأرض لأستثقله فلا يأبهُ بي ولا ينتظر. ألا ليت شعري لو ألقي نظرةً على هذا المستقبل المُحزن وحسبي من الفضول نظرةً لا أطلبُ غيرها فتعينني على تدارك سعادتي واستغلالها وتصبّرني على أكداري وأغلالها وإنّي لأعلم أن صروف الأيام ونكباتها العظام لتُنسي المرء تجاعيده وتعزّيه في فقيده، ولكنّه سلوان يحتاج إلى سلوان.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...