التخطي إلى المحتوى الرئيسي

النقد بين التأثير والتأثّر



من أبرز الظواهر الصحيّة التي تبلي بلاءً حسنًا في نهضة المجتمعات ورُقيّها هي ظاهرة "النقد" ، فالنقد يُبصّر العيون على نواقص وعيوب لم تكن تراها من قبل، فتقود لحركات الإصلاح والتحسين ويُعد النقد من الاجراءات الأوليّة التي يجب أن تُفعّل بالشكل الصحيح لتقود المجتمعات لتطبيق استراتيجيات التجديد والتطوير بأفضل ما يُمكن.
فالنقد هو من أبرز الظواهر التي أدت لتطوير كل العلوم والمخترعات بل وجميع شؤون الحياة من حولنا عن طريق طرح أسئلته التحليليّة المنهجيّة ومن ثم البحث عن أفضل الأجوبة والحلول لها ، فالناظر في أي فن أو علم يرى بشكل جليّ أن القفزات التي حصلت في تلك الحقول كان سببها الرئيس هو ازدهار ظاهرة النقد في تلك الفترة.
وفي المقابل متى ما غابت ظاهرة النقد -ويكون ذلك إما بغياب الكفاءة النقديّة أو في حال سُلبت حُريّته- تجد حالات الجمود قد طرأت على كافة المجالات التي غاب فيها.

ما تقدّم كان مدخلًا لبيان أهميّة النقد للأمم والعلوم والفنون ولكن السؤال الملازم لما سبق هو لماذا تغيب ظاهرة النقد ؟ وكيف تتفاوت كفاءة النقد من مجتمع لأخر بل كيف تتذبذب بين الصعود والهبوط لنفس المجتمع في مراحل زمنيّة مُختلفة !

وقبل الإجابة عن هذا السؤال يجمُل بنا أن نقسّم سبب غياب ظاهرة النقد الفعّال وهيَ كما أومأنا آنفًا تعود لسبيين اثنين لا يختلفان كثيرًا في علّة نشوء كُلٍ منهما وهما :
1- الانهزام النفسي. 
2- فُقدان حُريّة النقد

فإذا  ما عرّفنا سبب ضعف كفاءة النقد فنقول في ذلك أنه عبارة عن نتيجة " متوالية فكريّة نفسيّة " ناجمة عن انبهار وانكسار أمة تجاه حضارة أمّة أخرى والذي عادةً ما يصاحب انهزام دولة المغلوب وأفول مجدها أمام هذه الأمة المنتصرة وفي الغالب يجلب الغالب المنتصر أو المستعمر حضارته وجميع قيمه إلى مُستعمراته -والاستعمار الذي أقصده هنا يشمل المعنيين القديم الذي مارسته القوى الإمبرياليّة بالاحتلال العسكري أو الجديد الذي يمارسه ورثة الإمبرياليّة بالقوى الناعمة- فتعتري الأمّة المنهزمة نوبة انبهار وذهول ولا تملك إلّا أن تنصهر في بوتقة الحضارة المنتصرة وتتماهى معها قاضيةً على إرثها الحضاري بيديها.
 والعلاقة المباشرة بين ضعف كفاءة النقد وانكسار الأمم وحضاراتها هي أن الأمة المغلوبة تكتسحها حالة جمود فكريّة وتقليد فتميل إلى الاعتماد على الغالب في كل شؤون حياتها كالصناعة والزراعة والإدارة والفنون والعلوم والآداب بل وحتّى في الملبس والمأكل فتضعف حاسة النقد إن لم تجد رغبةً جديّةً في التطوير والبحث والاكتشاف، وكما قال ابن خلدون في مقدمته: "المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه و نحلته و سائر أحواله و عوائده والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه"
فالنقد دائمًا ما يقترن بالرغبة الصادقة في التغيير والتحسين والاكتشاف ولا أشد على النقد من الجمود والتقليد والركون والتبعيّة. ومتى أرادت الأمّة أن تنهض وتنفك عن الدوران في فلك الغالب فيجب عليها أن ترسم طريق نهضتها بفرشاتها وتحدد أهدافها بقلمها الناقد.

أما عن الشق الثاني من الإجابة على السؤال الذي طرحناه عن سبب غياب النقد فيعود إلى : حُريّة النقد.

فدائمًا ما تقل مفعوليّة النقد في الأمم والمجتمعات التي تعاني من تسلّط الاستبداد بشقيه السياسي والثقافي.
فبالنسبة للاستبداد السياسي ، يُلاحظ دائمًا أن أنظمة الحكم الشموليّة والمستبدّة  تُسلب فيها حريّة النقد. فهذه الأنظمة تقوم على مبدأ: " لا أريكم إلا ما أرى " ولا تقبل السكوت عن القبول بتوجهاتها، عوضًا عن المخالفة وهذا سبب كافي لتدهور كفاءة النقد وغياب مفعوليّة الشورى فيها وتراجع شعوبها في شتّى المجالات سنينًا إلى الوراء.

أما الاستبداد الثقافي فهو في الغالب يعتبر الوريث الشرعي للاستبداد السياسي وآلته ومصدره المؤسسات الإعلاميّة والصحفيّة بما يتم فيها من احتكار للكتابة والرأي وإقصاء الأطراف المُختلفة في الرأي أو المنهجيّة الفكريّة وهو أيضًا من أبرز أسباب ضعف المهنيّة في المؤسسات التي تتبنى هذا النوع من الاستبداد الثقافي وهذه العمليّات الاحتكاريّة والإقصائية بدورها ينتج عنها غياب الكفاءة النقديّة ، كيف لا وقد انفرد بالكتابة زُمرة معيّنة من المثقفين يتفقون في أسلوب التفكير.
وهذه الوحدويّة في التوجّه كافية بأن تقضي على التنوّع في النقد والذي هو من أبرز العوامل التي تجعل أثر النقد فعّالًا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

قرية المواعيد

كانت الأوراق العالقة بين أغصان الزيتون تُشبه أن تكون بقايا من رواية طويلة أو لعلّها تشبه أن تكون فصولًا من كتاب ضاع عنوانه وضاع بعضه، أو قصةً من جملة قصصٍ كانت مجموعةً في غلاف، أو لعلّها طرفًا من مذكّرات تفرقت هنا وهناك..  ولم تكن تلك الأوراق كثيرة، غير أن القليل منها كان يكفي ليُشعر قارئها أنه عثر بحياة كاملة ممزقة، حياة لم تستطع أن تتم في صاحبها، فحاولت أن تتم في العبارة.. وفي كل ورقة منها أثر يدٍ متعجّلة، أو قلبٍ يريد أن يقول شيئًا قبل أن… قبل ماذا؟ لا أدري ولعلّ كاتبها لا يدري كذلك..  كُتب في بعض هذه الأوراق:  {عين الحكاية تنفتح على السهل انفتاح الفجر على المروج، فتمر بحصى الرمل المتناثر على أديم الأرض، وتمر بجدولٍ هزيل ضامر يشبه وخط الشيب أول ظهوره في عارض الشاب الفتي، ثم ترتفع إلى حقول القمح وهي تنحني للريح مع كل عصفٍ من عصفها وكل نسيم من نسيمها، تنحني للريح ولا تنكسر له. ثم تمتد النظرة وتنسحب حتى تبلغ الجبال الرمادية في أقصى المشهد، وهي قائمة في سكون الشهود الذين رأوا كل شيء وعجزوا عن أداء الشهادة ورواية التاريخ..  وبين السهل وتلك الجبال كانت القرية التي سماها...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...