الذكريات
لا
تملك عند الحديث عن "الذكريات" أن تتدارك ما تقول هي كلمة تختلف عن
أخواتها، هيَ كلمةٌ لها بعدٌ زمانيّ وآخرُ حسّي، ما تلبث أن تنطق بها حتّى تشعر
برياح تعصِف من قدم تحمل مع هيجانها مواقفَ تنفض غبارها ومشاهدَ تشرئب أعناقها
لك في حاضرك. للهِ ما أشدّ ما يُتأثرُ بها ولها. وبعد هُبوب الذكريات يفوح عبقٌ
غالبًا ما يستجلب الأرق، ولله ما أكثر ما سرق من العيون سهادها ومن الأوقات ساعاتها، منه ما هو زكيّ يُستطاب بذكره وأكثره شقيّ لما يُحرك من شجن ظُن أنه قد سكن.
صوت
الذكريات
صخبٌ
ولجب يُسمع صداه في حنايا الصدر بيد أنه لا يُعرفُ مصدره ولا يُميز كُنهه ولا يكاد
يُعرف منه إلّا دائرة تأثيره وهي قطعًا داخليّة ، فملامح الناس وشكل الحياة عند
صدور الصوت يُنبئ بأنهم لم يسمعوه حتّى. وقد يكون هذا الصوت على هيئة أغنية أو اسم
يُنطق أو مكانٍ يُرى أو عطر يُنادي، فهذا الصوت ليس هو الصوت الذي في الاصطلاح
العلمي المُقاس بالديسبل ولكنّه أشبه بضجيج من نوعًا ما تُستدعى به الذكريات، ولكن سُرعان ما يخفت هذا الصوت آخذًا بالتلاشي مُعلنًا عن مرحلة جديدة من الوجوم والإطراق.
أصحاب
الذكريات.
ولله ما أكثر
ما تصطحب الذكريات معها: بسمة شوقٍ وحنين أو دمعةً مُلتبسةً بأنين ، فأما أولاهما
فهي على الذكرى الجميلة التي يُبكى على ذهابها وانقضاء أوقاتها ويُتحسّر على
مُضيها وقلّة الحيلة في استرجاعها فتكونُ الابتسامة كرسالةٍ مع حمامة تُسافر عبر
الزمن تطير إلى الماضي وتُودعه رسالة الرضا على كل تفاصيله مؤطرةً بندم ومُذيلةً بشجن.
وأما أخراهما: الدمعة المُلتبسة بأنين ، فهيَ تنسّل على حين غِرّة لا تُدركها إلّا
حينما تشعُر بحرارتها على خدّك أو حين تضيق العين بازدحامها ذرعًا فتُرسلها على
الورق فيسيل بسيلها القلم كاتبًا فتُدرك حينها أنك قد أوتيت من قِبلها.
إبداع
الذكريات.
وللذكريات
مزيّة و قدرة خفيّة تُشكّل الإبداع الأدبي ينسج بها الشاعر شِعره والناثر نثره
فهيَ وقود البدع في القافية والسجع، لايزال الأديب يتفنن ويُبهر فيما يخطُ متى
استحضرها ورُزق القوّة في تصوريها.
ومن الذكريات كان فن الرثاء والنسيب والوقوف على
الأطلال، وماخُلد امرؤ القيس على رأس الشعراء إلا لحذقه في الاستيقاف على
الأطلال وتذكّرها. ولا تخلو مُعلقات العرب وهيَ أجود ما قيل من الشعر على الإطلاق
من الوقوف على الأطلال والبكاء على ذكرياتها فهذا الملك الظّليل ينشئ؛ "قفا
نبكي من ذكرى حبيبٍ ومنزل" و "وقوفًا بها صحبي عليّ مطيهم " وعلى
نهجه أنشأ الشعراء وبأحابيله تعثّروا.
أماكن
الذكريات.
وأما
أماكن الذكريات فهيَ سقط اللوى عند ذي القروح وبرقة ثهمد عن طرفة بن العبد وحومانة
الدرّاج عند زُهير بن أبي سُلمى والجواء عند عنترة، وهيَ عند كل شخص ذاك المكان
الذي لا ينفكّ يذكره ما سرت روحه في بدنه وهو ذات المكان الذي وإن برِحَهُ ببدنه
لم تبرحه روحه ولا فتئَت تجوبه كل فينةٍ، وبين الفينة وأختها. وهذه الأماكن لا
تتغير أشكالها بالضرورة كي تستجلب في الفكر حالتها الأولى فيحزن المرء بتذكرها، فكأين من مكان ما بدّل أطماره ولا يبست أشجاره ولا جفّت أنهاره ورغم ذلك كانَ خليقًا بأن
يكون للذكرى لاختلاف شيء واحد ما شعروا به الناس ولا غيّر من شكل المكان ولكنّه
كان من لُب أحدهم بمكان استوجب لأجله أن يقف ليتذكّر.
الذكريات
عندي
ولقد
رأيتُني فيها لا أعلم من علمي الآن ولا أُقدّر له ولا أحتاط منه ، تتقاذفني أمواج
الأيام وأعومُ في بحور الأعوام في سبيل تحقيق الأحلام ، فتبدّلت نصفها أوهام ولم
تكفنا بذكرها عناء الآلام فالحمد لله على الأقدار وما اختار.
ولقد
رأيتني فيها غير متشبثٍ بما فيها رغم أني بذلت الوسع حينها ولكن هكذا الذكريات
لا تهبُ حتّى تصطحب معها جحافل الحسرات وتميل على الفكر بلا رحمات. أما الآن فعزمت
ألا ألوي على شيء فات وما عدت أرجو لما أطمح غير الأمان مظلةً وغير السلام ظلالًا
والسلام.
تعليقات
إرسال تعليق