التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مزاج الأدباء





لاشك أن لمزاج الأدباء تأثيرًا على الحياة الاجتماعيّة في كل تفاصيلها ما عظُم منها وما صغُر وهو تأثيرُ لا يقل عن ما تساهم به العلوم ، فتجلّي الأدب وتركزه في فترة معينة يؤثر في طبائع المجتمع، فالأدباء يصنعون الحُب ويبعثونه فيسري بين الناس ما برز أدباء مُتميزون في أدب الحب،  والأدب لسانُ المجتمع يتكلم عنه. وإذا ما سرى البؤس يومًا في أساطين الأدباء فستجد أن قدرة المجتمع في التعبير عن البؤس أشدُ منها في الحُب وسترى أنّ العامة تميلُ لمحاكاتهم فتروج اقتباسات البؤس أكثر من غيرها.

‫ وعموما قد تتجاوز دائرة تأثير الأدب الناتج عن مزاج مُنتجه الحدود الاجتماعيّة إلى السياسيّة وقد فعلت في فترات كثيرة من التاريخ ، وتكمن قوّة التأثير الأدبيّة في قدرتها في التحكّم بعواطف الأفراد وتوحيد سلوكيّاتهم أيضًا في جماعات منتظمة ، وكثيرًا ما تُسيطر العاطفة على الوعي ، فالناسُ إذا استطعت أن تنفذ لعواطفهم فقد ملكت عليهم عقولهم في كثير من الأحيان ، وللأدب مراتب عدّة من حيث شدة خطر التأثير ، أدناها ما يُستلذ به فقط وأوسطها ما يؤثر على حياتهم الاجتماعيّة وأشدها ما يهيّج نفوسهم ويوحّد عواطفهم لأغراض سياسيّة كالثورات وغيرها ، وكما حدث أيضًا في الثورة الفرنسيّة التي لعب فيها الأدباء دورًا بارزًا كالأديب جون جاك روسو الذي يُعد الأب الروحي لتلك الثورة والذي أضفى الأدب على فلسفته ونظرياته السياسيّة بُعدًا شعوريًّا عميقًا كما أثرت سخرية فولتير وخطابة ميرابو ودانتون. وغيرهم الكثير من الأدباء الذين استطاعوا أن يحدثوا تغيرات كبيرة بأدبهم ، وباعتبار الخطابة نوعًا من الأدب ، لا يخفى تأثير الخُطب السياسيّة والعسكريّة في الشعوب والجيوش قديمًا وحديثًا ولنا من التاريخ القريب شاهد على ذلك، فقد برز تأثير الخطب في الحربين العالميتين في القرن العشرين وهي أشدّ حروب الأرض ضراوةً، ومن قبلها حروب الحضارات. بل وحروب القبائل فيما بينها، على نحو ما نقرأ في التاريخ العربي، كما في حرب داحس والغبراء وحرب البسوس والفجّار. وقد يتعدّى تأثير الأدب من شحن العواطف (والذي يقوم به الأدب الإنشائي) إلى صناعة الأفكار والأيدولوجيات والذي يقوم به الشق الثاني من الأدب المتمثّل بالنقد الثقافي، والذي ساهم بشكل كبير في صناعة القوميات ومناهضة الاستعمار وتجلّى في صناعة الحداثة وما بعد الحداثة لمواجهة الأفكار الاشتراكيّة.
 ونحنُ لا نقول أن أمزجة الأدباء كانت العامل الأوحد ولكنّها كانت عاملًا خطيرًا في اختراق العواطف ومن ثمّ في ترجمتها إلى أفعال.
‫وعودًا على بدء نقول إن الأدب الذي استطاع أن يجيّش الجيوش ويقود الجحافل ويناوئ الأنظمة لجديرٌ أن يتحكم بالحياة الاجتماعيّة فيُسيّرها كما تُملي عليه أقلام الأدباء.

‫ومما يجعل للأدب هذه المكانة القوية هو أنه يتكلّم بلسان الناس ويقول مالا يستطيعون قوله ويعبّر عن ما يجوب في أخلادهم فيجدون فيه وسيلةً للتعبير وروحًا للتغيير وملهاةً على أقل تقدير فيلوذون به ويهرعون إليه من الواقع هروبًا منه أو وصفًا له.
‫ولعلّي لا أجاوز الحق إن قلتُ أنّ الدهماء مدينون للأدباءِ فلولاهم لما عبّروا عن ما يكتنفُ قلوبهم ، وهم كذلك رُهناءُ أمزجتهم، فما تنفكُّ أحوالهم تدور في فُلك الأدباء فلطالما هبّت موضوعات محددة في الأدب في فترات معينة وجرّت معها الأسواق الثقافية نحو مزاج الأدباء المتميزين في تلك الموضوعات ولم يملك الناسُ رد تأثير هذه الموجات فتأثرت اهتماماتهم وطرق تعبيرهم بتلك الأمزجة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...