التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجّة الحِجج



على مدار التاريخ الإسلامي حاول كثير من المناكفين لهذا الدين العظيم من مُفكّرين ومن عُتاة ومستشرقين أنّ يُحاجوا في شرع الله وأصوله ومقاصده، فما كان من هذا الدين، بالكتاب الذي أُنزل بلسان الشارع العظيم وبرسوله وعلمائه إلّا أن يقارعوا ويدمغوا كُل الحجج بالمنطق السليم والبيان المستقيم والحق المُبين، فتمضي السنون وتندثر الحُجج بعد الحُجج. وحين لا تكون حُجّةٌ، يقوم مقامها الاستهزاء والاستخفاف وهما دليلا الانقطاع والخواء.

وحجة الحِجج كما في العنوان هي الاحتجاج بالأعوام، لا حُجّة الحُجج بمعنى أقواها بل هي على النقيضِ أوهاها وأضعفها، وهي في الأصل ردّة فعل تنشأ للمناوئة والممانعة أكثر من كونها حُجّةً في معناها. ومثالها: أن يعترض عليك من تعرِضُ عليه فكرةً، أو من تحاول نُصحه فيعترض بذكر السنين ولا غير السنين! لإبطال ورفض ما تُبديه، أو تكون هذه الحجّة لإنكار فعلٍ سواءً أكانت تلك السنين المُحتجُّ بها من الماضي أم من الحاضر، كأن يقول من تنصحه بشيء في الدين: "قبل عام كذا وكذا لم يكن هناك ما تنصحُ به أو لم يكن آباؤنا يفعلون ما تنصحُ بهِ "، وهذا مثال على الاحتجاج بالماضي، أما الاحتجاج بسنين الحاضر فمثالهُ أن يقول المُحتج: " أما زلت تفعلُ كذا ونحن في عام كذا وكذا!"

وليس المراد بمفهوم هذا النوع من الاحتجاج أن تُورد هذه الحُجّة في سياق حجج منطقيّة وأساليب علميّة بل أن تُورد مُجردةً من غير أي حُجّة أخرى يُعتدُّ بها. ومن المعلوم أن مثل هذه الحُجّج هيَ من أضعف ما يُنكَر به أو يُدعّم به الإقدام من أقوال أو أفعال.

ويُلجأ المحتجُّ إلى هذه الحُجّة في حال لم يستطع أن يقارع الأدلّة بالأدلّة والبراهين بمثلها. 
وهي تستخدم بقصد تسخيف الفكرة وصبغها بطابع السذاجة إما بإنكار أصالتها وإلغاء شرعيتها كما يكون في الاحتجاج بأعوام الماضي أو بإظهار عدم صلاحيتها كما يكون في الاحتجاج بأعوام الحاضر.

وفي غير ما موضع في القرآن الكريم يُفنّد الحق -تبارك وتعالى- مثل هذه الحُجج فيُردّ على المحتجّين بالماضي والمعتدّين بباطل آبائهم بقوله: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ )
وفي آيةٍ أخرى يرد جل وعلا على من يدّعي التطوّر والتقدّم وعدم صلاحيّة بعض الأحكام، فيقول تبارك وتعالى: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) ففي هذه الآية وعدٌ مِمن لا يُخلف الميعاد بأنه من تمسك بدينه واعتصم به فإنه سيستخلفه في الأرض ويمكّن له دينه وهو الدين الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى كما أتمّه على نبيّه صلى الله عليه وسلم فقال عزّ من قائل : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.. ) فلًو كانت هذه الأحكام باطلة بحكم التقدّم والتطوّر_لم تكن مناسبة لأن يُستخلف أصحابُها.. 


وإننا إذ نُورد هذه الحجة ونناقشها، فإنّه لا بسبب قوتها فتضطرُنا إذ ذاك لمزيد بحثٍ وتمحيص، بل بسبب شيوعها. وكثيرًا ما نرى في هذه الأيام من يحتجُّ على نفس الفكرة أو الدليل بنوعي الاحتجاج كليهما - بالماضي والحاضر- أو أحدهما كمن يُريد أن يُضفي مشروعيّةً على محرّمٍ شرعًا أو ينقلب على مبدأ صحيح فيقع في تناقضات ومغالطات مُركبة. وعمومًا فإنّه لا يجدُ الناظر إلى مثل هذه الحجج لأيًا في إظهار وهائها.

إنّ الحق منضبط بمعزلٍ عن الزمان..

‏والله هو الحق تبارك وتعالى والله جلّ جلاله هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وأوّلية الله هي الأوّلية المطلقة من كل وجه، فهو أوّل بأسبقية الكمال وأوّل بأسبقية العلة وأوّل بأسبقية الوجود.. 

‏ولكنّ الناس في دنياهم محتاجون للحق القابل للتزمين كي تصلح أحوالهم وأحوال دنياهم.. فوهبهم الله الحق في الدنيا أثرًا من آثاره ودليلًا عليه، ومن ذلك كانت الحقائق المنشودة في دنيا الناس متصفة بالقدم فالناس ما زالوا يقولون قول الأول: "الحق قديم" وهو قديمٌ القِدم الذي يعني الثبات في كل زمان، فهو قديم من حيثُ أنّه إنما يكون إليه التناهي.. فعنده ينتهي الرجوع بعد الخطأ، وهو قبل كل خطأ، وقدم الحق قدم الشرف، فالحق أسبق من كل ما دونه.. 
‏ولمّا كان الحق قيمة منضبطة في كل زمان تشبهًا بالحق الأوّل الذي ليس قبله شيء، ناسب ذلك أن يكون الحق غير مرتهنٍ لأحكام الزمان، فهو حق في أوّل الزمان وهو حق في آخره، ولا يعرف الحق بالزمان بل يُعرف ما في الزمان بالحق، فليس كل قديم حقًا ولكن الحق أولى بأن يُرجع إليه ليكون هو  القديم قبل إحداث الزلل، وليس كل جديد حقًا ولكن الحق أولى أن يُصار إليه ليكون هو الجديد بعد إحداث الزلل.. 
‏ومن ذلك تعرف خطأ من ظنّ أنّ دلالة الحق لا تنفك عن الزمان.. وهذا مدخل الغلط على كثيرٍ من الناس، والغالطون في الحق منقسمون فمنهم من يظنّه القديم ومنهم من يظنّه الحديث، وقد ذمّ الله كلا الطائفتين، فقال عزّ وجل فيمن آمن بالقديم ولم يؤمن بالحق: 
‏﴿وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون﴾. 
‏وقال عز وجل فيمن آمن بالجديد ولم يؤمن بالحق: 
‏﴿والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين ﴾

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...