التخطي إلى المحتوى الرئيسي

آسف كارنو



البارحة كنتُ في اجتماعٍ مع زملائي لكتابة تقرير عن تجربة علميّة سبق وأن قمنا بها في معامل الكليّة وكان هدف التجربة هو حساب معامل أداء أنظمة التبريد بواسطة انضغاط البخار، ولكننا أثناء عملية التحليل ظهرت النتائج على غير المتوقع والمعهود. إذ أن معامل الأداء لدائرة التبريد الواقعيّة كان أعلى -بقدر الضعف- عن معامل الأداء للدورة المثالية المقاربة للدورة النظريّة العكسيّة التي نظّر لها العالم الفيزيائي الفرنسي "سادي كارنو" وهذه النتيجة غير منطقية بل ني مستحيلة جدًا بحكم العادة والتجريب، لأن كارنو افترض في دورته المثاليّة أن عملية الانضغاط والتمدد تحدث في ظل ثبات الإنتروبي ( isentropic compression) وأن عملية التبخير والتكثيف تحدث في حالة ثبات لدرجات الحرارة ( isothermal ) وهذا الشيء مُجرّد تنظير لا واقع له، لأنه من المستحيل في حكم العادة إحكام السيطرة على النظام ومنع أي نفاذيّة للحرارة ( adiabatic )  كما أن كارنو يفترض امتناع وجود مفاقيد في الطاقة في دورته وكما يمنع وجودة انخفاض في الضغوط وهذا الذي جعل دورته مثاليّة وجعل أداءها عاليًا.
 ومع ذلك خرجت نتيجة تحليلاتنا -الخاطئة طبيعةً- لتلغي نظريّة كارنو بحيث يكون الأداء الواقعي أعلى من الأداء المقارب لكارنو، والذي لو بُعث من قبره لا أتوقع أن يفعل إلّا أن يشهد بألّا إله إلّا الله، وأن يعمد إلينا ليُناجز عن كرامته وشرفه ومكانته العلميّة.
ومن طبيعة التجربة أو من سوء الحظ -إن أجاز لي التسويغ- أن حساب معامل الأداء هي آخر خطوة في التحليل وليس بعدها إلّا كتابة خاتمة للتقرير وهذه النتيجة ظهرت لنا الساعة الثانية صباحًا -قبل موعد التسليم بسويعات- فلم نتمكن من مراجعة الحسابات إطلاقًا وبسبب التزامنا بالصيغة الأكاديميّة في كتابة التقرير لم نستطع أن نتأسف لكارنو وما وسعنا إزاء هذه المشكلة إلّا أن نلقي التهم على قارئ البيانات في جهاز التجربة، ولكنّي كنتُ خجلًا جدًا من هذه النتيجة الغريبة عند تسليم التقرير فآليت على نفسي أن أعتذر لكارنو بكتابة مقال أبيّن فيه ما جنيناه على نظريّته.

وإنّا والله إذ نُخطئ لنعترف بتقصيرنا على أنّا قد بلغنا في تحليل الدوائر شأوًا أرفع مما بلغه بعض الأشخاص الذي يتكلمون في غير فنونهم فيقتحمون التخصصات وهم لا يملكون أساسيات الفن المُقتحم فينظّرون ويتأوّلون ويصوّبون ويخطئون وينتقدون على جهلٍ، ثم لا يستحيون ولا يعتذرون! وكل هذا لمجرّد إلغاء كل منجزات الماضي حتّى لو بلغت بها الصحّة مبلغ اليقين أو قاربته.

وقد لفت انتباهي -حين نظرتُ للواقع- تكلّم بعض المعاصرين في التفسير وهم لا يعرفون أبجديات النحو والصرف الذي هو آلة من آلات التفسير فما بال أقوام -مع فارق التشبيه والقدر- يتجرؤون على كلام الله ويتصدّرون لتفسيره مع ضعف مؤهلاتهم -هذا إن وجدت- فيُخطئون ويعلمون أنهم مخطئون ثمّ لا يعتذرون فهل هوَ إلّا كبرٌ عن الاعتذار أو تعمّدٌ للكذبِ! وبودّي أن أعرف ما موقف المفسرين الجدد لو عرَضتْ لهم مثلُ حالتي هل سيقرؤون دورة كارنو قراءة مُعاصرة فيتأولون النظريّة حتّى يجعلون الأداء الفعلي أعلى من المثالي أم هل سيرمون النظريّة بالجمود؟ ويأتون بغيرها! في الحقيقة لا أظن ذلك! مع أنهم ينبرون لما هو أعظم -الدين والتاريخ- فيقدحون فيه، فأُولاء أقوامٌ خلبت المادّة ألبابهم حتى غشيت بصائرهم، ولا أظنُ ذلك لأن نظريات العلم ماديّة تجريبيّة، فهم يتحرّجون من مجرّد البحث في جدواها خوفًا من نظرة الأوساط العلميّة، ولذلك يريدون أن يقرؤا الدين والفنون والآداب والتاريخ قراءة معاصرة ويقيسونها في مختبرات العلوم التجريبيّة متناسين أو جاهلين أن الإنسان الذي أثّر في كل هذا ما هو إلّا مادّه وروح والروح أقدر وأبقى وأعجب من المادة، فما التمدّن إلّا قراءة سطحيّة للدين وللتاريخ والفنون والآداب، والعلم مهما بلغ لن يستطيع إلّا أن يجيب على التساؤلات الماديّة، أما يخرجُ عن نطاق المادة فهو خارجٌ عن نطاق العلم التجريبي، كالروح مثلًا، فانظر إلى قوله تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

قرية المواعيد

كانت الأوراق العالقة بين أغصان الزيتون تُشبه أن تكون بقايا من رواية طويلة أو لعلّها تشبه أن تكون فصولًا من كتاب ضاع عنوانه وضاع بعضه، أو قصةً من جملة قصصٍ كانت مجموعةً في غلاف، أو لعلّها طرفًا من مذكّرات تفرقت هنا وهناك..  ولم تكن تلك الأوراق كثيرة، غير أن القليل منها كان يكفي ليُشعر قارئها أنه عثر بحياة كاملة ممزقة، حياة لم تستطع أن تتم في صاحبها، فحاولت أن تتم في العبارة.. وفي كل ورقة منها أثر يدٍ متعجّلة، أو قلبٍ يريد أن يقول شيئًا قبل أن… قبل ماذا؟ لا أدري ولعلّ كاتبها لا يدري كذلك..  كُتب في بعض هذه الأوراق:  {عين الحكاية تنفتح على السهل انفتاح الفجر على المروج، فتمر بحصى الرمل المتناثر على أديم الأرض، وتمر بجدولٍ هزيل ضامر يشبه وخط الشيب أول ظهوره في عارض الشاب الفتي، ثم ترتفع إلى حقول القمح وهي تنحني للريح مع كل عصفٍ من عصفها وكل نسيم من نسيمها، تنحني للريح ولا تنكسر له. ثم تمتد النظرة وتنسحب حتى تبلغ الجبال الرمادية في أقصى المشهد، وهي قائمة في سكون الشهود الذين رأوا كل شيء وعجزوا عن أداء الشهادة ورواية التاريخ..  وبين السهل وتلك الجبال كانت القرية التي سماها...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...