إن
أقصى ما يستطيع العقل البشري أن يصل إليه باكتشافاته هو أن يحاكي الأنظمة
الربانيّة الموجودة في عالم إدراكه، فهو أولًا يحاول بالعلم أن يفسّر الظواهر
المحيطة به ومن ثم يحاول محاكاتها.
وأكثر
المخترعات الإنسانيّة تعقيدًا هي التي تحاكي تطبيقاتُها عضوًا من أعضاء الإنسان أو أحد
الكائنات الحية ويزداد التعقيد العلمي كلما حاول أن يحاكي عضوًا معقّدًا في تركيبه
الحيوي.
فعلى
سبيل المثال: القلب -وهو عضوٌ تقابله المضخة في الصناعة- أعقد في الوظيفة من
العروق والتي تحاكيها أنابيب النقل.
والعقل أيضًا أشد تعقيدًا في وظائفه من القلب، ولذلك تجدُ أنّ أنظمة التحكّم والذكاء الاصطناعي أكثر تعقيدًا من المضخّات.
ويزداد
التعقيد كلما ترقّت عمليّة المحاكاة من محاكاة عضو في جسم الانسان إلى محاكاة جهاز كامل
كالجهاز العصبي أو الهضمي فهذه الأجهزة تؤدّي أكثر من وظيفة يشترك فيها أكثر من عضو، وتترابط فيما بينها
بعلاقات مباشرة وغير مباشرة ولها تأثير ملموس على بعضها، وقد يجدر بنا في هذا المقام أن نتذكّر الحديث النبوي: "إذا شكا منه عضو
تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"
فمثل هذا النوع من التطبيقات العلميّة
-التي تحاول أن تحاكي جهازًا كاملًا- تحتاج إلى ترابط كبير بين العلوم، وتحتاج في تصميمها
إلى اتحاد جمٍ هائل من المعارف الإنسانيّة، وكل جزء من هذه الأنظمة والتطبيقات وكل معدّة
من معداتها يتم تُختار وتصمم تصميمًا دقيقًا جدًا وتؤخذ في عين الاعتبار جميع
نطاقات تأثير هذه الأجزاء.
ولتوضيح
الفكرة نضرب مثالًا على واحدة من أكثر الأنظمة تعقيدًا -إن لم تكن أكثرها- وهي أنظمة
إنتاج الطاقة والتي تزيد تعقيدًا كلما زادت كميّة الطاقة المنتجة.
ومن
زار يومًا محطّات التوليد خصوصًا البخاريّة منها، يرى حقيقة التعقيد جليّةً واضحة، فعندما
يتفحص الدورات الميكانيكية لإنتاج الطاقة -دورة رانكن مثلًا- يجدها على التقريب
تتشابه إلى حد كبير مع الأنظمة الحيوية لإنتاج الطاقة، وعندما ينظر لمعدات المحطات
الصناعية وتطبيقاتها يجد هذا التقارب جليًا مما لا يدع في قرارة نفسه شكًا في أن
هذه من تلك، فيرى القلب في صورة مضخّة، والعروق على هيئة أنابيب النقل، وأنظمة التحكّم
تحاكي الجهاز العصبي بكاميراتها وهي تترقب كأنها عيون، ويرى الغلّايات تؤدي وظيفة
الجهاز الهضمي في استخراج الطاقة الكيميائية من الطعام الذي هو في المحطة عبارة عن
وقود، ويرى أيضًا المداخن وهي تمثّل عمليّة الزفير، ويرى وحدات التصفية والتنقية
والتحلية كأنها الكبد أو الكلى وفي بعض وظائفها تكون كالرئة، ثم يمر على المكثّفات والمبخّرات والمسخّنات ووحدات
التبريد والتكييف والمبادلات الحراريّة وهي تضمن التوازن الحراري وتحقق الضغوط
المطلوبة كأنها عمليات انتاج الحرارة عن طريق الخلايا التي تقوم بالتمثيل الغذائي، ثم تصرّف هذه الحرارة بتحويلها لطاقة أو بإخراجها على هيئة حرارةٍ كامنة عن طريق الغدّد
العرقيّة التي يتحكّم بها المخ بالجهاز السيمباثاوي.
ثم يمر الزائر على مولدات الطاقة وهي
تحوّل الطاقة إلى صورتها المستفادة القابلة للاستعمال "الكهرباء" كالإنسان
عندما يستمد الطاقة ممّا يأكل ويحولها إلى طاقة تفاعليّة.
ومحطات
توليد الطاقة رغم اعتبارها إحدى مجالات الهندسة الميكانيكيّة إلّا أنها لا تُنشأ
إلا نتيجة توحّد وترابط جميع العلوم الطبيعيّة التطبيقيّة والنظريّة بل وكثير من
العلوم الإنسانيّة أيضًا كالإدارة في التنظيم والتطوير البشري، وعلم الاقتصاد في
تحديد الجدوى، والسياسة في اتخاذ القرار، والجغرافيا والجيولوجيا في اختيار المكان
المناسب لإنشاء محطة التوليد، كما أن هناك قيودًا بيئيةً يضعها المختصون في علوم
البحار والبيئة والطقس، كما توجد عوامل كثيرة جدًا ومترابطة تؤثر على كفاءة المحطة
وجودتها وفعاليّتها وصلاحيتها لا يستطيع أن يصل إليها فرع منفرد من العلوم.
وكل
هذه العلوم والمعارف المتحدة والجهود المتظافرة والجموع المتعاونة والوظائف
المتداخلة هي لتأدية غرض واحد -إنتاج طاقة- محاكاةً
لوظيفة من وظائف جسم الإنسان الكائن الصغير في هذا الكون الضخم والتي يقوم بها من غير وعيٍ بهذه التفصيلات.
فسبحان
من أعجز بخلقه وأحكم، وعلّم الإنسان مالم يعلم.
تعليقات
إرسال تعليق