التخطي إلى المحتوى الرئيسي

وقفة تأمل





إن من الأمور التي نتبرّم منها ونضيق بها ذرعًا كوننا وُجدنا في هذا العصر والتي بسببها نتشوّق ونتوق إلى العيش في زمن غير هذا من أزمنة الماضي الهادي العتيق هو سرعة هذا الزمان وضوضائة وصخبه وعجزنا عن إبطائه.
وفي هذا العالم الافتراضي تتخطفنا التنبيهات وتشوّش علينا الإشعارات حدّ أننا نعيش في دوامة ذهول مُطبقة بكلكلها على كل محاولة للهروب نحو الهدوء، فبينا نحن نتصفّح الهاتف الجوّال فإذا بهاتفٍ جوال في عالمنا غير الافتراضي ينادي من هنا فنعطيه ربع التفاته ونصف أذن وما أن نحاول أن نلوي له حتّى يتدلّى إشعار فما نكمُل انتباهتنا له حتّى يُشع وميض تنبيهٍ كالبرق الخُلّب فيذهلنا عن ما نحن فيه ولا يأخذ الذهول حقّه من الذهول حتّى تصرفنا رسالة من هنا في إطار العمل وتتدلى من هناك رسالة عن بعض الالتزامات ولا تُكمل التدلّي حتى تلحقها أخرى في موضوعٍ مغاير فموعظةٌ من هنا ومن هناك مباركة ومن هنا تعزيّة وبشرى من هناك.

ولاشكّ أن كل هذه التداخلات الزمانيّة والتقاطعات المكانيّة المهرولة أو العادية تؤثر بشكل أو بآخر ضمني ومباشر على إنتاجيّة إنسان هذا العصر وعلى ذهنه وتحليلاته واستنتاجاته وعقّدت من إمكانيّة التنبؤات وسبل اتخاذ القرارات، ثم إن تفكيكيّة ما بعد الحداثة الأدبيّة لم يكن بوسعها إلّا أن تزداد إمعانًا في تفكيكها في هذا الوقت المتسارع والنمط المنغمس في عالمه الافتراضي والذي بدوره حوّل الإنسان إلى "إنسآلة" يجدّ ويجهد في نطاقٍ ضيّق منعزل تمامًا عن كل ما ينفك عن عالم المادة لا يبحث ولا يتساءل حتّى إذا ما جاءت "التشكيكية" نسفت كل الأراضي الصلبة التي كان يقف عليها فهيهات أن يجد إلى الثبات سبيلًا. 

 كما أثّرت السرعة المعلوماتيّة والتكنولوجيّة على المجتمعات فسارعت الأحداث وقاربت بين المهود والأجداث فها أنت ترى هذا الإنسان العصري منذ أن يولد يرتبط ارتباطًا وثيقًا مع عالم موازٍ يسهل فيه التواصل وتتعدد فيه العلاقات دون أن تتعمّق فتبقى طافية على سطح المنفعة حتّى تتعطل لدى هذا الإنسان نعمة التفكّر في النفس البشريّة وخوالجها فهو لا يجدُ ما يُثير تساؤلاتها ولا يرى تعدد السلوكيات والأنماط لأن حدود معرفته تتوقف عند منفعته السطحيّة وفي نفس هذا العالم الموازي تتقارب الأماكن وتسرّع المواصلات الحديثة وصوله إلى المكان المُبتغى وهذا الأمر ليس سيئًا على إطلاقه لكن تأمل كيف أن هذا المسافر يقطع مسافات شاسعة فيتنقّل من دولة إلى أخرى بل يتنقّل بين القارات ويجوب العالم أجمع وهو لا يرى في رحلته هذه إلّا السقف الداخلي للطائرة أو خلفيّة مقعد أمامه وإذا كان يتنقّل بالسيّارة فهو لا يرى إلا طريقًا ممتدًا ليس في تصميمه كبيرُ اختلاف بين مختلف الدول والقارات بينما كان هذا الإنسان إذا أزمع السفر وقطع المسافة ذاتها يمرّ بتضاريس شتّى فيتفكّر. ويمرّ بوعورة ثم سهولة فيصعد ويهبط فيتأمّل، ثم يمرّ بالمروج والقفار فيرى الخضرة في مكان والصفرة في آخر فيجوب البيداء ويتساءل ثم يركب الدأماء ويتساءل وتطوف عليه الدهماء ويتساءل.

وإن أحوج ما يكون له الإنسان العصري الذي يتحوّل تدريجيًا لآله هو أن يستقطع بعضًا من وقته ليمارس فريضة التفكير وعبادة التأمّل والتفكّر فيرقب شروق الشمس ويمعن التفكير في بزوغ القمر ويتأمل في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من ماءٍ فأحيا به الأرض بعد موتها وبثّ فيها من كل دابة وتصريف الرياح المسخّر بين السماء والأرض. ويديم النظر والاستغراق في آيات الله الكونيّة والقرآنيّة
ويحض الله عباده على هذه العبادة باستفهام توبيخي فيقول عزّ من قائل : (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)
ثم إن هذه الآيات نزلت في عصر كان الناسُ فيه أصفى ذهنًا وأنقى لُبًا ولنحن أحوج إذا منهم.
وخليق بالإنسان أيضًا أن يتأمل في الآلات والأجهزة -على الأقل تلك التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا في حياته- فينظر للمركبات الطيّارة والسيّارة والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وغيرها ويطرح تساؤلاته ليعرف مبادئ نشوئها، فيُفيدُ علمًا بتفكّره ويزيد في حساب المنتجين لا في حساب المستهلكين بلا فائدة.

وإن أقرب الناس للحق وأقومهم رأيًا وأحصفهم قرارًا هو المتجرّد منعمُ النظر ممعنُ التفكير.
 وهذه عملية بطبيعة الحال لا تقتصر على مجرّد القراءة التي هي في هذا الزمان غايةٌ لذاتها، فالكتبُ من غير تفكّر فيها وتفحّص ماهي إلّا أوراق مُسطّرة لا تزيدُ قارئها إلّا تضييعًا للوقت والجهد. والطبيعة كذلك كتابٌ وعلائق الناس ببعضهم كتاب وتجارب الدنيا كتاب يُستزاد منها بقدر ما يُرجى من الزُبر والأسفار.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...