مرت
خمس سنوات منذ أول مرةٍ دخلت فيها الجامعة، لازلت أذكر تفاصيل ذلك اليوم بدقّة بل وأذكر
تفاصيل ليلته وشعوري حينها. مرت هذه السنوات على عجل لا تلوي على شيء من أيامي
فيها، واليوم أستلم وثيقة التخرّج بعد أن مرّت عليّ أيامٌ ما ظننت فيها أنّي سأصل
لهذا اليوم.
أنا
شخص أكره الذكريات رغم أنّي لا أستطيع أن أنفك منها فأنا أعيش فيها، وأكرهها
بنوعيها سواء الجميلة منها أو القبيحة. فأكره الجميلة لأنّي أشتاق إليها وأتحرّق
على مضيّها وأكره القبيحة ولا أعتقد أنّي بحاجة للتبرير.
رغم ذلك سأحدثكم قليلًا
عن جامعتي وبعض ملامح رحلتي فيها.
جامعتي
تقع على أطراف مدينة جدّة وكانت فرعًا عن جامعة الملك عبدالعزيز ودرستُ فترةً
فيها وهي على هذا المُسمّى قبل أن يصدر المرسوم الملكي معلنًا انفصالها وتسميتها
بجامعة جدّة، وعلى عكس الكثير من أصدقائي كنت فرحًا بخبر الانفصال، فأصحابي كانوا
يتبرّمون من كونها أصبحت جامعة ناشئة بعد أن كانوا سيتخرّجون وتحمل وثائقهم اسم وشعار
جامعة الملك عبدالعزيز وهي على ما تعلمون من العراقة والقوّة الأكاديميّة، لكنّي
كنتُ على النقيض تمامًا فرحًا مغتبطًا شعرتُ بأن القرار كأنه نوع من الاستقلال الذي
أتى بعد طول نضال ومقاومةٍ ضد الاستعمار. فجامعة المؤسس كانت أشبه بقوّة
كولونياليّة مستبدّة تستعمر جزءًا من الأراضي وتنظر لها على أنها حديقةً خلفيّة
تضنُّ بالثروات ومحصول الضرائب التي تفرضها على الطلّاب باسم "صندوق الطالب"
ثمّ لا نرى في جامعتنا أي تقدّم ولا تطوير، فلطالما كانت جامعتنا مُهملة تعاني
فقرًا في المُنشئات والمرافق التعليميّة وأبسط المظاهر الأكاديميّة التي لا تقوم
جامعة إلّا بها، فكان الانفصال خطوة أولى على طريق التطوير والإصلاح..
لكننا وللأسف لم نلمس
الفرق مباشرةً لأن مُدير جامعة الملك عبدالعزيزكُلّف مديرًا على جامعتنا
فكان انفصالنا بالاسم والشعار فقط لا بالإدارة.
وإنّي
إذ أقول ذلك لا أقلل من عمل وتفاني المدير وقتها فقد كان معالي الدكتور عبدالرحمن
اليوبي، وهو والله رجلُ فذّ وشعلة من العمل وقامة إداريّة كبيرة وهو خلوق وفاضل قبل
كل شيء وليس المقام مقام إحصاءٍ لأفعاله وتفانيه، لكن كانت الفروع التي تتفرّع عن
جامعة المؤسس كثيرة وكبيرة للحد الذي لا يُطيقه مديران، فمن المفارقات الظريفة أن
جامعتنا على كونها فرعًا كانت أكبر مساحةً من الأصل عوضًا عن بقيّة الفروع التي
انفصلت وضُمّت إلى جامعتنا وقد كانت ثلاثة أو أربعة أفرع.
ثم
بعد أشهر صدر أمرٌ ملكي يقضي بتعيين مدير لجامعتنا وكان معالي الدكتور عبدالفتاح
مشّاط وقد كان موقدًا من الإبداع لا ينطفئ فغيّر ملامح الجامعة ونقل بها نقلةً
كبيرة وزاحم بها جامعات المملكة والعرب قبل أن يتم تعيينه نائبًا لوزير الحج
والعمرة وهو لم يكمل فترته الرسميّة لفرط ما أعجب المسؤولين فآثروا أن يضعوه في
مكانٍ ينفعهم فيه أكثر. فكانت الجامعة حزينة لفراقه .. وكنت!
ثم
فترت الجامعة بعده لأنهم تركوها بغير مُديرٍ معيّن فترةً قبل أن يعينوا الحميدان
مديرًا لها ولا أحسبه زاد على أن خطا خطوات سابقه وهو بحد ذاته عملُ يستلزم
الاستحسان ويشار إليه بالبنان غير أن الثورة التطويريّة كانت لمشّاط.
وكنّا
ونحنُ طلّاب نتلمّس تأثير كل مدير يأتي على الجامعة ونرى لمساته وأعماله وإن علا
ذاك المبنى الذي يُدير منه المدير إدارته. وإنّي إذ أُورد هذه التحوّلات في قيادة
الجامعة أذكرُ معها المعالم التي تغيّرت والأماكن التي تبدّلت وكانت جُزءًا من
الذكريات فلا زلتُ أذكر تلك المواقف الترابيّة كأنها البيداءُ في اتساعها لا ترى
آخرها، تتمايل فيها الرؤية من حرارة الشمس وأذكر كيف كنّا نركن سياراتنا فيها على غير
انتظام ثم كيف استحالت هذه الكثبان شوارعًا واستظلّت من لهيب الشمس بمظلّات تقيها
الحر، وكيف تطوّرت الفصول وتطاولت المباني وانتظمت الأعمال نوعًا ما.
ولي
في الجامعة ملاحم لا تقلّ عن ملاحم هوميروس وقاسيت فيها مصاعبًا لا تقل عن ما
قاساه أوديسوس ونضالًا لا يُشبهه إلّا نضال أخواننا الفلسطينيين ردّ الله لهم
أرضهم وشرّفنا بصلاةٍ في مسجدنا.
ولي
أيضًا معارف كثر ومواقف كثيرة مازالت ماثلةً أمام عيني كأنها تحدث اليوم، ولازلت
أذكر رفاقي فيها وقصّة لقائي بكل واحدٍ منهم ثم إنّي لازلتُ صغيرًا على نسيانهم
وهم أيضًا كبارٌ على أن يُنسوا، ثمّ إنّا قد خضنا غمار الدراسة معًا فلا أنسى تلك
الليالي التي سهرناها سويةً نتشارك الهموم ونتقاسم الأعمال ونبثُّ ونستبث ولا أنسى
تلك الأعباء ولا الإعياء فكم رابطنا في الجامعة وخارجها من شروق الشمس إلى شروقها
ثانيةً نستبطئ الوقت لننجز تارةً ونستعجله من فرط توتر الانتظار تارةً أخرى فقد
كانت دراستنا تحتّم علينا التعايش مع الإجهاد فتخصصنا ليس تخصصًا نظريًّا قائمًا على
الفهم والاستذكار فنستعين عليه بالمذاكرة فقط! بل كان يستلزم العمل الجماعي ففيه
مشاريعُ وعروض وتقارير وتجارب وزيارات وغيرها، فلكم كُنّا نسابق الزمن ونطرد الكرى
ونتحامل على أنفسنا ونصول ونجول ونكرّ ونفر ولقد مرّت علينا ليالي كدنا فيها أن
نيأس ولم نكن نظنها تمضي ونشعر بأن عقارب الساعة تتسكّع في دورانها، لله ما أشد ما
قاسينا فيها، والآن مضت! لله كيف مضت! كأنها والله حلم كأنّي بالأمس القريب أجلس
على كرسي الامتحان الأوّل وقد كان في مادة الرياضيات في المبنى السادس الساعة
الرابعة والنصف عصرًا ويدور في رأسي صوتُ أحد الأساتذة وهو يقول : "في
الاختبار الأول إمّا أن تخضع لك الجامعة أو أن تخضع لها" وكنتُ أحسِب لهذه
الجملة ألف حساب وقد وفقني الله في أوّل اختبارِ لي وحصلت على العلامة الكاملة
فخضعت لي الجامعة وكان كما قال هذا الأستاذ.
كنتُ
أعلم أن هذه المقولة ليست صحيحة على إطلاقها ولا علاقة بين السبب والنتيجة ولكنّها
كانت أشبه بالمحفّزات النفسيّة تشعر بعدها أنك تملك الثقة وثقافة النجاح..
وبعد خمس سنين
اختبرتُ آخر اختبارٍ لي وبالمصادفة كان في نفس المبنى ودار شريط الذكريات فأرجعني
لأول اختبارٍ ورهبته وتمثّل أمامي ذاك الأستاذ ومقولته فكان كما قال وحصلتُ على
العلامة الكاملة أيضًا ولي مع المذاكرة قصص وذكريات أظنها مُفيدةً لعلّي أوردها في
مقام غير هذا.
مرّت
خمس سنون مسرعة ولكنّي تعلمتُ فيها ما يُتعلّم في فترةٍ أكبر، فقد كنتُ دائمًا
أحدّث رفاقي عن شعوري بأنّي لم أتخرّج ببكالوريوس في الهندسة فقط، بل معه بكالوريوس
آخر يُعنى بعلائق الناس وسياستها وخوالج النفس البشريّة وما يعتريها. ففي الجامعة
يمرّ على المرء أشخاص كُثر ومواقف جمّة وهو على قدر كافٍ من الإدراك والوعي فيرى
الاختلافات ويتأمّل ويتسع مدى التوقعات وتتعقّد التنبؤات، وفي الجامعة تختلف طبيعة
العلاقات عن المراحل الدراسيّة التي تسبقها وتختلف أيضًا تصانيف البشر، فتحتاج
معها إلى مهارة في إدارة التوازنات فلكل منصب اسمه وطريقة التعامل معه، فترى
المعيد الذي قد يكبرك بأشهر وكيف بدّل المسمّى الوظيفي رداءه واتخذه سوطًا يتسلّط
به على رقاب الطلاب وترى الأستاذ (البروفيسور) وعامل النظافة وقد جمعتهم نفس الجنسيّة
فترى كيف رفع العلم هذا وأوضع هذا وترى حرّاس الأمن متشنجين في تصرفاتهم يشعر أحدهم أنه ضابط, فعلى قلّة الصلاحيات إلا أنه يستلذ بالتعقيد كالإداريين وغالب أصحاب المناصب ممن لم يرزقه الله التواضع والثقة, وترى العمداء ورؤساء الأقسام ووكلاء
الجامعة ومديريها، وترى اتساع الذمم وراحة الضمير عند من لا تراه في السنة إلّا
أيامًا معدودات على حساسيّة منصبه، فتجتمع كل تمايزات الألقاب والمناصب هذه في
سورٍ صغير نسبيًا فترى طبائع الناس واختلافاتهم وترى كيف ارتفع هذا بالعلم ووُضع
هذا بالجهل وكيف ارتقى هذا بالأخلاق على صغر منصبه وكيف وُضع هذا بقلّة أخلاقه على
ارتفاع منصبه.
ثم
إن تنظيم العلاقات مع أعضاء هيئة التدريس لوحدهم فنُّ قائمُ بذاته يكادُ ينفرد
بدراسة خاصّة، فقد يمرُّ عليك في اليوم في قاعةٍ صغيرة ما قد يصل إلى ثمانية أعضاء
من هيئة التدريس لكل واحد منهم مزاج وشرعة ومنهاج، تختلف أخلاقهم بل أديانهم،
وتختلف طبائعهم وثقافاتهم وأنت بحكم كونك طالبًا تصبو إلى التميّز يجب عليك أن تسبر غور
كل عضوٍ منهم فتفصّل له قالبًا خاصًا تتعامل به معه، فالأستاذ السمح لا يؤخذ بمثل ما يُؤخذ به الأستاذ الفض، ونفس الحاجة لا تتأتى من الأستاذين بنفس الطريقة،
والأساتذة في ذاك كالأنظمة الحاكمة منهم مستبدٌ وعادل ودكتاتوري وديموقراطي وشمولي
ومن تتسع عنده هوامش الحرّية ومن تضيق.
والطالب الفذّ من يتعامل مع كل أستاذ وفق شخصيته
وأسلوبه ويُعمل فيهم السياسة.
وقد رأيتُ من الأساتذة عجبًا ولي معهم مواقف
عصيّة على الحصر بكثرتها. ولي في هذه الجامعة ذكريات لعلّي أوردها في مقامٍ غير
هذا أو أسرد فيها سلسلة مقالات.
بقي أن أقول: أن هذه السنين انقضت مستعجلة على ما فيها من
مصاعب وفي هذه إشارة إلى أن الشيء إذا ما بدأ انتهى وألم الدراسة قصير مقارنةً
بألم الجهل ولا تأخذنّكم الرهبة من الدراسة فإنما هي إقدام وطموح وفترة لا تلبثُ
أن تمر عاديةً مسرعة.
تعليقات
إرسال تعليق