التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأدب بين المسجد والمقهى




الأدب كما هو معلوم صنعة بشريّة يعبّر بها الإنسان عمّا يختلج في صدره من عواطف وآراء ولمّا كانت تلك العواطف والآراء تتأثّر ببيئتها المحيطة بها تأثرًا واضحًا مباشرًا كان الأدب أيضًا يتأثر بتلك البيئة ولذلك اختلفت الآداب الإنسانيّة وتعددت حتّى أشكل على العد تعدادها، فالآداب التي تنشأ في الجبال الجليديّة وترى تساقط الثلوج تختلف عن الآداب الاستوائيّة المنبعثة من بين الأدغال، والآداب المتنقّلة بالإبل والخيول عبر الصحراء ذات المناخ الحار والتي تتوسّد الرمال الصفراء وتلتحف السماء الصحوة تختلف عن الآداب الساحليّة الحضريّة التي تسكن البيوت وتتنقل بالحمير وتَبحر بالجوار المنشآت في البحر كالأعلام. فالأدب شديد التأثر بالعوامل الاجتماعيّة التي تتأثر بالبيئات.
وفي عصر العولمة تنقّلت البيئات والأنماط الاجتماعيّة فلربما رأيت باريس في جدّة ونيويورك في دبي وفي مثل هذه الأحوال ترى الأدب يتأثّر بالبيئة الواسعة (الأصليّة) والضيقة معًا ولربما تأثر ببيئته الضيقة (المصطنعة) أكثر لأنه يتصل بها اتصالًا مباشرًا وفي الوقت ذاته لا يستطيع الانفكاك من بيئته الواسعة وإرثه القديم.

هذه الحقائق تقدّم لنا تفسيرًا جميلًا لما آل إليه الأدب العربي، فباختلاف البيئة التي تحتضن الأديب يتأثر الأدب،
فمثلًا الأديب الذي ينطلق أدبه من المسجد ويجلس بين جدرانٍ تتزيّن بآيٍ من الذكر البليغ ويقتطف كتابًا من مكتبة المسجد التي تزخر بكتب الأدب العريقة من التراث العربي الأصيل أو الآداب الأجنبيّة المُترجمة بعناية فيناقش ما يقرأ مع زملائه الأدباء باعتكافٍ بعد أن قرأوا وردًا من القرآن المُعجز أو سمعوا موعظةً بليغة أو درسًا يُستشهد فيه بأحاديث أفصح الفصحاء وأبلغ البلغاء عليه أفضل الصلاة والسلام، ثمّ يُزيّن نتاجه بالتراكيب العربيّة الصحيحة الفصيحة فهو حتمًا يختلف نتاجه الأدبي عن الأدب الذي يسكن المقهى الذي تتوزّع على جدرانه عبارات مثل "Coffee" و "dose" و "relaxation" وينتجه الأديب الذي يرتدي اللباس الأمريكي وقبل أن يجلس على الكرسي يطلب من النادل "كابتشينو" أو "موكا" أو "بلاك كوفي" -أشير هنا إلى المصطلحات الدخيلة لا نوع القهوة- ثم يناقش رواية يقتطفها من مكتبة المقهى الذي يهمّه أن يكون سعر الكُتب رخيصًا فقد يختار الطبعة الأرخص أو الترجمة الأضعف لذات الرواية وقد تكون مُترجمة ترجمةً حرفيّةً ركيكة حتّى لو كانت هذه الرواية لأدباء من الأساطين كدوستويفسكي أو ڤيكتور هيجو أو أجاثا كريستي أو ستيفج كينج فحتمًا ستفقد هذه الآداب بريقها فالأفكار تفقد طعمها إذا نُقلت في وعاء متسخ ولن ينتفع الأديب بأفكارها بقدر ما يتأثر بالتراكيب المترجمة، وينتهي نقاشه مع أدباء المقهى سريعًا عندما يفرغ من شُرب قهوته، ثم يُضمّن أدبه بهذه التراكيب البالية.

والأدب العربي أحوجُ ما يكون لإحياء تُراثه والعمل على تطويره انطلاقًا من قواعده وضوابطه وتراكيبه، والتطوير حتمًا لا يقتضي التغيير ولا التضعيف، وليس أقدر على رعاية هذه المهمّة من المسجد، لذلك عتبي هنا ليس على المقهى بكل إسهاماته فعلى العكس نحن بحاجة لتعدد الأماكن والبيئات التي يُناقش فيها الشباب أفكارهم والمقهى يقوم بدور فعّال في هذا الصدد ولكن التأثير الحسن على الأدب تحديدًا لا يُقارن بتأثير المسجد، فعتبي هنا على غياب دور المسجد في الحياة الاجتماعيّة فبعد أن كان في العصور الذهبيّة متعدد الأدوار ترى فيه مجالس العلم وحِلَق الوعظ ونقاشات الأدب ومساجلات الشعر والتخطيط العسكري والبرلمان ومكان للاستشارات الاجتماعيّة والنفسيّة وبعد أن كان يملكُ على الناس كل جوانب حياتهم ويعيشون باتصال روحي دائم ويتعلمون منه ويتأدبون فيه وتسمو فيه وبه أخلاقهم وأفكارهم اقتصرت الآن زيارته على الصلاة ينقرونها نقرًا إلّا من رحم الله ثم ينفرون إلى الدنيا خفافًا سراعًا، فلا يأخذون من المسجد ما يُقيم لهم أمر دنياهم ودينهم ولا يصطبغون بصبغته ولا يُشركونه في حياواتهم ولطالما كان المسجد وعاءً للتراث الإسلامي العريق بكل جوانبه ولطاما حفظ لنا الأدب واللغة.. وكلما ابتعد العرب عن مسجدهم أهملوا تراثهم بقدر ابتعادهم ولن ينتفعوا منه وللأدب أحرى أن لا ينتفع بابتعاده عن المسجد.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

قرية المواعيد

كانت الأوراق العالقة بين أغصان الزيتون تُشبه أن تكون بقايا من رواية طويلة أو لعلّها تشبه أن تكون فصولًا من كتاب ضاع عنوانه وضاع بعضه، أو قصةً من جملة قصصٍ كانت مجموعةً في غلاف، أو لعلّها طرفًا من مذكّرات تفرقت هنا وهناك..  ولم تكن تلك الأوراق كثيرة، غير أن القليل منها كان يكفي ليُشعر قارئها أنه عثر بحياة كاملة ممزقة، حياة لم تستطع أن تتم في صاحبها، فحاولت أن تتم في العبارة.. وفي كل ورقة منها أثر يدٍ متعجّلة، أو قلبٍ يريد أن يقول شيئًا قبل أن… قبل ماذا؟ لا أدري ولعلّ كاتبها لا يدري كذلك..  كُتب في بعض هذه الأوراق:  {عين الحكاية تنفتح على السهل انفتاح الفجر على المروج، فتمر بحصى الرمل المتناثر على أديم الأرض، وتمر بجدولٍ هزيل ضامر يشبه وخط الشيب أول ظهوره في عارض الشاب الفتي، ثم ترتفع إلى حقول القمح وهي تنحني للريح مع كل عصفٍ من عصفها وكل نسيم من نسيمها، تنحني للريح ولا تنكسر له. ثم تمتد النظرة وتنسحب حتى تبلغ الجبال الرمادية في أقصى المشهد، وهي قائمة في سكون الشهود الذين رأوا كل شيء وعجزوا عن أداء الشهادة ورواية التاريخ..  وبين السهل وتلك الجبال كانت القرية التي سماها...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...