التخطي إلى المحتوى الرئيسي

العلم والدين بين العلمانيتين




لطالما كانت ثنائية الدين والعلم موضع جدل في الأطروحات الغربيّة والشرقيّة على حدٍ سواء في سياق تقابل وتضاد، وهذه الثنائية التقابليّة مبررة في الأطروحات الغربيّة نظير القمع الذي لاقاه العلم من رجال الكهنوت والكنيسة اللذان أدخلا أوروبا في عصور الظلام حتّى فصلت بمشرط العَلمانيّة دينها وألقت به داخل الكنيسة. والعَلمانيّة هي ترجمة لمصطلح "secularism" منحوتة من "عالم" وليس علم وهي تنادي بالعالميّة والدنيويّة في التشريع وسن القوانين وتدبير شؤون العالم بمعزل عن النواميس والتشريعات الربانيّة، بمعنى أنها تحاول أن تفصل بين الدين والدنيا بما تقتضيه من تدابير وإدارة ردًا على طغيان الكنيسة. وهي إذ ذاك تفصل شقيّ الانسان الروحي والمادي وتجعل الشق المادي يتصرّف ويشرّع ويدبّر بناءً على تجربته فقط مع إغفال تام لتعاليم الوحي وما يترتب عليها في الآخرة

لكن في الشرق العربي الإسلامي لا توجد هذه الثنائيّة على أرض الواقع حتّى وإن حاول البعض اختلاقها لتقديم العلمانيّة حلًا لمشاكل الشرق، وعدم صلاحيّة هذه الثنائية التقابلية يعود لكون العلم قسم من الدين الإسلامي لا قسيم له، والإسلام كم جاء في نصوصه يحثّ على العلم والتفكير في غير موضعٍ  على عكس ما كانت تفعله الكنيسة حيث حاولت أن تفرض على العقليّة الأوروبيّة لقرون طوال أن الواحد يساوي ثلاثة والثلاثة تساوي واحد وحرّمت التفكير وحدّت من التطوير وحاولت أن تلغي الكثير من النظريات العلميّة التي كان بمقدورها أن تشكك وتُفقد العوام الثقة في قواعد وتعاليم الكنيسة التي تقوم عليها والتي كانت بها تسيطر على الحكم والثقافة وشؤون العامة وتدبّر الأمور وتصرّف بإضفاء شرعيّة وقداسة على تعاليمها وأساليبها الشموليّة التي تحكم بها، غير أن النصرانيّة قبل أن تنازع السياسة أهلها بكنيستها كانت أصولها تتقبّل بشكل أو بآخر بعض مفاهيم العلمانيّة حيث جاء فيها "دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر" ففي النصرانيّة سلطتان، دينيّة يمثلها البابا ورجال الإكليروس ودنيويّة يمثلها الحاكم ورجاله، وهي قبل ذلك دينٌ اهتم بالعقيدة ولم يعنى بالتشريع فتركه للبشر.

وإنّي إذ أقول بأن التقابل بين العلم والدين مُبررًا في الغرب لا أبرر الاستخدام الاصطلاحي لمصطلح "الدين" في هذا السياق التقابلي لأن الدين كلمة عامة والعلم لا يتضاد إلّا مع التعاليم الكنسيّة، فثورة أوربا على مصطلح الدين انتصارًا للعلم فغرت أفواه اللاهثين عجبًا الذين لا يستطيعون الانفكاك عن الدوران في فلك الغرب المنبهرين بتقدّمه فعزّزوا التقابل المصطلحي وحاولوا معالجة داء الشرق المتمثّل بالتراجع العلمي والحضاري بمثل ما عالجت أوروبا أدواءها مفترضين ومسلّمين أولًا بأن الإسلام ما هو إلّا دين كدين الكنيسة المحرّفة وثانيًا بأن النموذج الغربي هو الأمثل والأصلح لداء الشرق فما كان منهم إلّا التقليد المنضوي على الانهزام النفسي أمام الحضارة المتفوّقة.

والعلماني العربي عادةً تنشأ لديه حالة من الانفصام الجوهري في أفكاره وتحزّباته وهذا الانفصام ناتج عن استماتته في البحث عن ما من شأنه أن يربط الحالة العربيّة الشرقيّة الآن بالغربيّة قبل الثورة الفرنسيّة فلا يجد ما ينتجه لتفريغ شعور الإعجاب والانبهار بالنماذج الغربيّة فإذا هو منهمك في بحثه يمنّي نفسه بتفسير ينتصر لانهزاميّته لا يجد في التاريخ إلّا ردًا عليه من جانبين قديم وحديث، فأما القديم فهو أن التاريخ الإسلامي حافل بكل ما يعزّز التوافق مع العلم ويجد العلم يسير في خط موازٍ  للدين يتطوّران معًا وأما الجانب الحديث فهوَ يرى تاريخ الثورة العلميّة والصناعيّة ثم لا يجد تهمه يرمي بها الدين في تعليل تأخر العرب بل ويرى أنّ تأخر العرب علميًا مرتبط بتأخّرهم دينيًا، وهناك جانب تطبيقي يُضاف إلى هذين الجانبيين التاريخيين وهو فشل المشاريع العلمانية العربيّة لأكثر من نصف قرن في التطوير العلمي والرقي بالحضارة والعلوم والركوب في مركب الدول المتقدّمة أو على الأقل اللحاق بها عوضًا عن مزاحمتها بل على العكس تمامًا ما كان من نتاج العلمانيّة إلّا الإيغال في التخلّف والانحدار، ثم إن الشعور بالإحباط أمام الثقافة المتفوقة يجعل العلماني العربي يتلوّن ويبحث عن أفكار أخرى يفسّر ويتعلل بها لفصل الدين إرضاءً لنفسه المنهزمة المولعة بالتفوّق الغربي، ولأنه علمَ يقينًا أن الغرب لن يقبل به حتّى لو تطبّع بطبعه تراه يتقلّب بين اليمين واليسار أو يجمع بينهما أحيانًا لا هدف له إلّا إقصاء الدين فالعقليّة التي يطغى عليها سحر الانبهار لا تملك إلّا أن تُقلّد.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...