التخطي إلى المحتوى الرئيسي

شبح الشكوك




لم يكن بانتظار مثل هذا النوع من الحديث كي يتذكّر موعده فموعده دائمًا على باله حاضرٌ في ذهنه وإن سوّف فيه أحيانًا أو تأخّر عنه أو تظاهر بعدم الاهتمام.

حدّثه صديقه بواحدة من أحاديث العشّاق التي انتهت بالفراق فلم يكن حزينًا هذه المرّة أو متوجسًا من المآل -على غير عادته- ويصح أن نقول أنه وإن أظهر نوعًا من الأسف الصادق إلّا أنه كان مطمئنًا للنهاية وكأنها أتت لتشحذ عزيمته على أن يُقدم على مثلها فلم يكن مرتاحًا لها إلّا بالقدر الذي يطمئنه على حالته إن هو أجهز على ما بقي من علاقته المترددة بين الكره لا لشيء إلّا لشكوكه وبين الرجاء الذي يقف بجانبه تارةً ويعززه بالأوهام التي لا تصمد أن تتهاوى وتارةً يقمعه بالواقع الذي يعلم صدقه على التحقيق.

التقط هاتفه! ولكم شكا صاحبنا من جور الأيام وتمنّى أن لو عاش في زمنٍ يتقابل العشّاق فيه على الماء أو في غسق الدجى بعد انتهاء العمران أو الخيام. حتّى لو بكى دهرًا على الأطلال فحسبه من أشواقه أن لاقى وتلاقى ولربما ظفر بشيء مما يظفر به العشّاق ولكم زادت حسرته فتصاعدت نقمته على دهره كلما قرأ سير الهوى وقصص الهيام وهي على بعد أربعة عقود فقط!! فيغبط أهل ذاك الزمان على حب الشبابيك والدكاكين أو لقاءات الترام ودور الصور المتحركة فتستحكم فيه الحسرات ويصب حنقه على صانع الجوّال وزمن الاتصالات حتّى تخيّم عليه السكينة ويعود به التفكير لحاله التي لا تحتملها تلك العصور ويحمد الله أن باعد بين الأماكن حتى ينجو من تبعات القرب!  
التقط هاتفه الجوّال وماهي إلّا أن يلتقطه حتّى يشتعل قبس الشكوك في صدره ولكم تمنّى أن يكون جوالًا كهاتفه أو أن يستحيل إلى موجة من موجات الاتصال ليكبح شكوكه أو أن يجد لنفسه عذرًا كافيًا للرحيل فيرحل غير متحسّر على شيء.
 ثم ما بعد الالتقاط دائمًا تأخذه يده إلى محادثة وهي أطلالٌ العرب في الماضي وهي ذاتها التي وقف على مثلها صاحب "قفا نبكي لذكرى حبيبٍ ومنزل" لكنّها ليست بسقط اللوى ولا أي مكان يُحدد بما يحدّه من أماكن بل هي محادثة من الواقع الافتراضي وعلى ذاك يعاملها كأنها لقاء لا يحيطه المكان ويخاف منها بقدر ما كانت تخف حواسه إذا تحدّث فيها وتنتشي مشاعره حتّى يشعر أن قدماه لا تحملانه، يعامل المحادثة ويراها كما لو أنه يلحظ تعابير الوجه في اللقاء فيرى الامتعاض أحيانًا على هيئة تردد في الكتابة ويرى الخجل أيضًا بذات الهيئة ولكنّها تختلف كما تتفق الجمل أحيانًا وتختلف معانيها باختلاف النبرات.
والتأخر في الرد أكثر ما يؤرقه فما تتأخر دقيقة حتّى يسألها وهو حانق: "إلى من تتحدثين" فكانت أحيانًا تجيبه باندفاع الحب وتطلق التعوّذات والتطمينات وأحايين أكثر كانت ترد بخبث وكأنها تستمتع بشقوته فيتظاهر بالثقة أحيانًا ويعدّل من مظهره ويرد كأنه لم يقصد السؤال بهذه الحدّة وأن الموضوع لا يهمّه وأن الشك لم يبلغ منه أي مبلغ، لكنّه يتردد بين الفينة والأخرى فيطّلع على ما يُثير إعجابها وعلى ردودها وعلى كتاباتها وكيف تتعامل مع متابعيها ويحلل الردود و الإعجابات ولكم أنفذ ليله وهو  على حالٍ أشبه ما يكون بتحقيق واستقصاء ثم إنّه يظن أنه بارع في تحليل سيكولوجيات الردود وفي ذات الوقت يتمنّى لو أن تحليلاته تخطئ ويساعده على التحليل من جهة ويؤرقه في الأوان نفسه استذكاره ومقارنته الدائمة بنشوة البدايات وحلاوة المحادثات وشغف الحديث.

ما الشك ولما!

والشك شعورٌ لا يبدأ في أي علاقة حتى يستشري فيها ويسري فيها مسرى النار في الهشيم والغرغرينة في السقيم وهو مغلفٌ بالحب لا بالكره كما يظهر من العاشق حين يجلس لمعشوقه ويرصد له كل مرصد فيأخذ الشك من العاشق اتزانه ويُنقص من كبريائه وهو ينطلق مدفوعًا بنيران الغيرة وهي إن زادت لا تحمد عواقبها، فإلى الغيرة تنتهي نشوة الحب الأوّلي "الإعجاب" ويبدأ "حب التملّك" وتكون الغيرة إلى قدرٍ واجبة لا يقوم الحبّ إلا بهذا القدر ثم تزيد قليلًا قليلًا فتكون من قبيل ما يُتسلّى ويستلذ به حتّى إذا اشتعلت واستعرت أنقضت الأركان وقضت على العلائق من حيثُ أُريد لها أن تقوّيها ثم تفضي إلى الشك. والشك صراعٌ داخليّ يطرح مزيدًا من الأسئلة ولا يكتفي منها، أين؟ وكيف؟ ومن؟ ولمن؟ ولماذا؟ ومتى؟ وهو إذ يطرح أسئلته لا يبحث عن أجوبه وإذا بحث لا يجد جوابًا كافيًا شافيًا لغلواء صاحبه نافيًا لاضطرابات ذهنه مهدئًا لتوجّساته طاردًا لخيالاته فيعيش في ترددٍ بين القرارات في حين يرى ما يجنيه عليه تردده وفتور حبّه ثم لا يعترف فيُحمّل محبوبه التبعات من غير وعيٍ منه ويظنّه يتمادى فيأكله الشك أكلًا ويقضي عليه من داخله وأحزن ضروب الفراق ما كان مصدره الشكّ الذي لم يُحسم باليقين فأورد صاحبه برجله على ما لا يريد ولا يتخيّل  وزاد من إحدى خطوات تردده حتى قطع بالفراق وحسم، ولن ينتهي شقاؤه بالفراق وهيهات له ذلك، يظلّ محترقًا أبدًا بناري الشوق والشك.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

قرية المواعيد

كانت الأوراق العالقة بين أغصان الزيتون تُشبه أن تكون بقايا من رواية طويلة أو لعلّها تشبه أن تكون فصولًا من كتاب ضاع عنوانه وضاع بعضه، أو قصةً من جملة قصصٍ كانت مجموعةً في غلاف، أو لعلّها طرفًا من مذكّرات تفرقت هنا وهناك..  ولم تكن تلك الأوراق كثيرة، غير أن القليل منها كان يكفي ليُشعر قارئها أنه عثر بحياة كاملة ممزقة، حياة لم تستطع أن تتم في صاحبها، فحاولت أن تتم في العبارة.. وفي كل ورقة منها أثر يدٍ متعجّلة، أو قلبٍ يريد أن يقول شيئًا قبل أن… قبل ماذا؟ لا أدري ولعلّ كاتبها لا يدري كذلك..  كُتب في بعض هذه الأوراق:  {عين الحكاية تنفتح على السهل انفتاح الفجر على المروج، فتمر بحصى الرمل المتناثر على أديم الأرض، وتمر بجدولٍ هزيل ضامر يشبه وخط الشيب أول ظهوره في عارض الشاب الفتي، ثم ترتفع إلى حقول القمح وهي تنحني للريح مع كل عصفٍ من عصفها وكل نسيم من نسيمها، تنحني للريح ولا تنكسر له. ثم تمتد النظرة وتنسحب حتى تبلغ الجبال الرمادية في أقصى المشهد، وهي قائمة في سكون الشهود الذين رأوا كل شيء وعجزوا عن أداء الشهادة ورواية التاريخ..  وبين السهل وتلك الجبال كانت القرية التي سماها...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...