رسملة الحياة
ماهي إلّا أن وضعت الحرب الباردة أوزارها، وفُض الاشتباك البارد
معلنًا تفكك المعسكر الشيوعي حتّى زحف العالم بطريقة مخيفة مرتميًا في أحضان
المعسكر الرأسمالي ولم يتوقف هذا الزحف عند الحدود الاقتصاديّة والسياسيّة بل
استمر حتّى وقع في وحل "رسملة" كل شيء ابتداءً من الدين مرورًا بالمجتمع
وانتهاءً عند الأخلاق فأصبح العالم نهمًا انتهازيًا ينظر إلى كل شيء بعدسة المادة
فيقيّم الأمور ويبني الأخلاق ويؤطر الحقائق بناءً على عوائدها الماديّة مستندا على
بُنى معرفيّة لا تؤمن بغير المادة وهي وإن كانت -أي بعض البنى المعرفيّة- قد وضعت في
وقتٍ سابق على أيدي الفلاسفة التجريبيين من أصحاب الاتجاه الحسّي كجان لوك وديفيد هيوم وبيركلي أو أصحاب الاتجاهات
البراغماتيّة كوليم جيمس وغيره إلّا أن هذه الصورة الماديّة النفعيّة النهمة
تجلّت بعد انتهاء الحرب الباردة وإني إذ أقول هذا لا أعوّل على جدوى النظريّات
الشيوعيّة في إيقاف هذا الزحف بل الشيوعيّة لها كوارثها ومشاكلها التي لم تخوّلها
أصلًا للصمود، وليس الانهيار هو المعيار الوحيد لفشلها.
تجلّيات الرسملة
وتتجلى بشاعة الرأسماليّة عندما تصدر أحكامها على الأشياء وتضع
معاييرها في التقييم فتراها في الدين مثلًا تُزيح كل التشريعات التي من شأنها أن
تقف في وجه هذه النظرة الماديّة للأشياء، فتراها تبيح الظلم بعد تنعيمه ووضعه في
قوالب ربوية في الاقتصاد، وتزدري جميع النصوص الدينيّة الباعثة على التطلّع إلى
الآخرة والمغذّية للجانب الأسمى في الإنسان جانب الروح الذي يحقق التوازن في النفس
البشريّة فيدفعها لتعمل لحياتها الباقية دون أن تنسى نصيبها من الدنيا. وعندما تخوض
هذه الرأسماليّة الجشعة في القيم والمبادئ والأخلاق تراها تشكك في كل شيء وتجعله
نسبيًّا بما يتوافق مع السوق، فالقيم التي يرجى منها فائدة ماديّة في وقتٍ ما يكون
مُرحّب بها في ذاك الوقت، ثم إذا تعارضت هذه القيم مع ميلان السوق ترمي الرأسماليّة
بها عرض الحائط وطوله وسمكه، ولذلك هي تراوغ وتخاتل فهي لا تستطيع التنبؤ بما سيحدث
في السوق إن هي اليوم أصدرت حكمها، حتّى على الصعيد الأمني فهي لا يهمها الاستقرار
إن كانت الأسواق ستركد به، فتجدها تشعل فتيل الحروب وتخلق الأزمات لإبقاء الاحتياج
متأججًا، ولذلك ترى مصطلحات -مثل مصطلح الإرهاب- ما زالت مطّاطيّة تتسم بقدر كبير من
المراوغة والضبابيّة، فهي إن أطلقت حكمها اليوم على منظمة أو جماعة قد تخسر من ما
يلزمها في التعامل معها وقد تدين وتستنكر إن تطلبت المصلحة. وكذا على سبيل المثال الجانب
الصحّي لا تملك هذه النظرة الماديّة إلّا أن تُبقي الطلب على سوق الدواء حتّى لو
اضطرها هذا الأمر لاختلاق أوبئة أو أمراض، ولكم تلكأت في علاجها بعد استحداثها لاستجلاب مصلحة من مصالح المال والاقتصاد. وكذا الأمر في الجمال فقد وضعت له معايير وأنماطًا، فصنعت جمالًا يوائمها وروجت له بالبروباغندا المقيتة
فما كان من الباحث البسيط على الجمال إلّا أن ينجرّ لها ويسرف في الاستهلاك تحت ضغط "الموضة" و "الرائج" و "كل
الناس هكذا".. والإنسان عندما يفقد الجانب الروحي منه لا
يملك إلا أن ينغمس في وحل الماديّات فيتجرّد من كل شيء حتّى تلك القيم التي تقرّها
الفطر السوية وتلك التي تعتبر حدًا فاصلًا بين الإنسانيّة والبهائميّة، فالنظرة
الماديّة ابتداءً عندما جعلت الحقائق نسبيّة وانقلبت على الدين والأخلاق التي كانت
تحيي الأرواح مهّدت الطريق لكل رذيلة قد لا نتصوّرها الآن.
من المسؤول؟
وأصل هذا البلاء الضامن لاستمراره وتفشيّه هو انحراف الإنسان عن تحكيم الوحي، وانصرافه للإعلاء من قدر الحرية وجعلها مرجعًا يُحتكم إليه. وتتمثل هذه الرزية في الأفكار الليبرالية والعلمانية في أصولها الفلسفيّة التي ألقت بعبء
التشريع لإنسان محدود العقل لا يستطيع أن يُنشئ نظامًا يكفل له الحياة الرغيدة
بمعزل عن التشريع الربّاني فالأنظمة الليبرالية والعلمانية التي تستمد شرعيتها من الإنسان
وتقوم على أصل الفردانيّة وعلى فكرة أن الإنسان هو محور الكون وعلى نسبيّة الحقيقة
هي في ظاهرها تريد أن تعلي من قيمة الفرد في حين جعلته ينحط ويهوي لمنحدرٍ لا قاع
له باعتمادها على عقل الإنسان القاصر، وإقصاء التشريع الربّاني الذي يكفل كرامة الإنسان
في الدارين، (وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا) شديد الحرص على الماديات فإذا استقرت
هذه الرغبة الشديدة في مكانٍ خالٍ من الأخلاق والدين لا نستطيع حينها التنبؤ بما
يمكن أن يفعل (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا)، (وَخُلِقَ الْإِنسَانُ
ضَعِيفًا) لا يملك السيطرة على شهواته إن هو وُكّل إلى نفسه و(إِنَّهُ كَانَ
ظَلُومًا جَهُولًا) لا يعلم ما تتحقق به مصلحته، ظالمٌ لنفسه ولغيره ولربه بإقصاء
شرعه (وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا) يطلب حظوظه الماديّة ويتعجّل الخير في دنياه
متناسيًا متغافلًا عن أمر أخراه (وَكَانَ ٱلْإِنسَٰانُ أَكْثَرَ شَىْءٍۢ جَدَلًا)
لا يستقيم له رأي ولا يرضى ويظل يجادل حتّى إذا تبيّن الحق، وغيرها من الآيات
الكريمة التي هي خير واصفٍ لضعف الإنسان ونقصه مهما بلغ. فمن اجتمعت هذه الصفات في
طبائعه لا يمكن أن يكون مخولًا لوضع قوانين كفيلة بحفظ كرامته في الدنيا فضلًا على
أن تضمن له حياة كريمة في دار القرار.
تعليقات
إرسال تعليق