التخطي إلى المحتوى الرئيسي

بالله منهم أنا؟


لا يكاد المرء منّا يسمع في محاضرة أو يقرأ في كتاب مصطلح النفاق حتّى ينتابه شعورٌ بأن هذا المصطلح قديم بعيد أو لربما اندثر، فإن مرّ عليه هذا المصطلح ذهبت به مخيّلته إلى صدر الإسلام و"عصر الصحابة" وعصر قويت للتو فيه دولة الإسلام ورست فيه دعائمه فإن أراد أن يمثّل للمنافقين ويعدد، لا ينقدح في ذهنه إلا عبدالله بن أبي سلول وأعوانه ويكمل قراءته أو استماعه ونفسه مطمئنة لبعد هذا العصر أو لربما رأى أنه أبعد ما يكون عن ابن أبي سلولٍ وأصحابه. فينام قرير العين هادئ البال مطمئن النفس إلى ذلك وما حدّثته نفسه يومًا في هذا الشأن. ووالله لربما اختلجه النفاق وسرح في قلب أحدنا ومرح وامتزج بإيمانه وشابه أو ربما مزجه وهو لا يشعر.
ومن المعلوم أن هيئة النفاق تبدّلت فلا يتصوّرنّ أحدنا مع تقدّم الزمن أن المنافقين ما زالوا على حالهم مجتمعين في بيوتهم مندسّين متستّرين يحيكون ويكيدون ويدسّون للإسلام الدسائس في خفاءٍ ومكر يظهرون التقوى والإيمان ويخفون الكفر والطغيان بذات الطريقة التي كانوا عليها في الزمان الأوّل. فالزمان تقدّم وتعددت أساليبهم وتنوعت حالاتهم وطرقهم وتلك حال وهيئةٌ لهم لا تكون إلّا في ظهور دولة الإسلام وعزّها وقوّتها ولهم حالاتٌ وهيئاتٌ أخر تتبدّل بحسب الزمان ومدى سيطرة الإسلام وإحكامه. ففي هذا الزمان -الذي ضعفت فيه دول المسلمين وغُلبت على أمرها وظهر فيها الغربُ وانتصر- لاشكّ في أن صوت بعض المنافقين علا وارتفع واختلط بعضهم بالمسلمين فتراه تارةً بوجهٍ وتارةً بآخر وهذا في أمر صوتهم أمّا في أمر أحوالهم وهيئاتهم فلقد تجدهم الآن على هيئة كتّابٍ صحفيين أو نقّاد ثقافيين أو مفكرين أو مثقفين تنويريين بل قد تجدهم على هيئة شيوخٍ أطالوا اللحى وقصّروا الثياب وخطبوا بالناس وحذّروهم من النفاق!

ومكمن الخطر في النفاق خفاؤه عن صاحبه أحيانًا فقد يعتاده المرء أو يشتهيه باسم التنوير والثقافة والعقل والنقد والاستقلال والحريّة أو يشتهي ما لأصحابه من الظهور والصوت والمنصب أو لمكانهم من المجتمع فلا تلبث هذه الشهوة أن تستحيل إلى شبهة يفتتن بها ويستحكم بها النفاق ويملأ بها قلب المرء، فيبحث لهذه الشبه عن مبررات لينغمس فيها وقد أراح ضميره وظنّ أنه على حق وقد ضل ضلالًا بعيدا، ولا ينبغي للمرء بأي حالٍ من الأحوال أن يطمئن  إلى نفسه ويظن أنه بعيدٌ كل البعد عن النفاق بل عليه أن يختلف إلى نفسه ويثب إلى نيّته يتفقدها ويجددها بين حينٍ وحين ويكثر من الأعمال الخفيّة التي تطهّر القلوب وأن يخلص في الأعمال الظاهرة ويدعو الله جل في علاه ويرجوه ويتضرع إليه أن يُبعده عن النفاق ويبعد النفاق عنه، فوالله إن زماننا هذا لأدعى في انتشار النفاق واستشرائه وقد وجد النفاق أرضًا خصبةً لنموّه فما عصرنا وعصر الصحابة! وما نحنُ -وقد دخلت الدنيا قلوبنا حتّى تملكته- وأولئك الذين شهدوا بأعينهم عز الإسلام وقوّته ورأوا الدلائل والرسول بين ظهرانيهم.

ولقد وقفتُ على أثرٍ تقشعرّ له الأبدان وتجفّ له العروق فتعالوا معي نقرأه وتخيّلوا بالله عليكم هذا المشهد، جاء في السنّة للخلال عن طريق أبي معاوية قال: « حدثنا الأَعْمَشِ عن زَيْدِ بن وَهْبٍ قال مَاتَ رَجُلٌ من الْمُنَافِقِينَ فلم يُصَلِّ عليه حُذَيْفَةُ فقال له عُمَرُ أَمِنْ الْقَوْمِ هو قال نعم فقال له عُمَرُ بِاللهِ منهم أنا قال َلاَ وَلَنْ أُخْبِرَ بِهِ أَحَدًا بَعْدَك » وكان حذيفة قد أسرّ له الرسول صلوات الله وسلامه عليه بأسماء اثني عشر من المنافقين فخشي عمر أن يكون منهم!

 هذا عمر!! وليت شعري ما نحن وعمر الفاروق!! ثاني الخلفاء الراشدين قد بشّره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالجنّة! فما هدأ قلبه، وقطع له بالشهادة! فوق جبل أحد عندما اهتز ولم يأمن على نفسه الفتنة ولا النفاق وهو المؤَمّن! والصحابة على علو شأنهم وعظيم قدرهم كانوا يخافون من النفاق أيما خوفٍ! فاقرأوا هذا الأثر وتدبروه، قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: « أَدْرَكْتُ ثَلاَثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ » هؤلاء الصحابة الكرام البررة فأين أحدنا منهم. وأختم بحديث الرسول صلّى الله عليه وسلم موصيًا فيه أمته، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ. يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيْهَا مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً. أَوْ يُمْسِي مُؤْمِناً وَيُصْبِحُ كَافِراً. يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا».
فاللهم طهّر قلوبنا من النفاق وجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

قرية المواعيد

كانت الأوراق العالقة بين أغصان الزيتون تُشبه أن تكون بقايا من رواية طويلة أو لعلّها تشبه أن تكون فصولًا من كتاب ضاع عنوانه وضاع بعضه، أو قصةً من جملة قصصٍ كانت مجموعةً في غلاف، أو لعلّها طرفًا من مذكّرات تفرقت هنا وهناك..  ولم تكن تلك الأوراق كثيرة، غير أن القليل منها كان يكفي ليُشعر قارئها أنه عثر بحياة كاملة ممزقة، حياة لم تستطع أن تتم في صاحبها، فحاولت أن تتم في العبارة.. وفي كل ورقة منها أثر يدٍ متعجّلة، أو قلبٍ يريد أن يقول شيئًا قبل أن… قبل ماذا؟ لا أدري ولعلّ كاتبها لا يدري كذلك..  كُتب في بعض هذه الأوراق:  {عين الحكاية تنفتح على السهل انفتاح الفجر على المروج، فتمر بحصى الرمل المتناثر على أديم الأرض، وتمر بجدولٍ هزيل ضامر يشبه وخط الشيب أول ظهوره في عارض الشاب الفتي، ثم ترتفع إلى حقول القمح وهي تنحني للريح مع كل عصفٍ من عصفها وكل نسيم من نسيمها، تنحني للريح ولا تنكسر له. ثم تمتد النظرة وتنسحب حتى تبلغ الجبال الرمادية في أقصى المشهد، وهي قائمة في سكون الشهود الذين رأوا كل شيء وعجزوا عن أداء الشهادة ورواية التاريخ..  وبين السهل وتلك الجبال كانت القرية التي سماها...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...