حدثني ساري النظّام ذات مرةٍ فقال: بينا أنا في المقهى
ومن جلس معي في شُغلنا نخوض ونماحل إذ دخل علينا رجلٌ أنكرناه وقد بدت عليه سيماء
السفرِ فانتبذ منّا مكانًا لبث فيه مليًا فرمقناه بنظرات كان الاستغرابٍ بعض ما فيها، ثم وقف فقال إنّي
قائمٌ فيكم خطيبًا بعد غروب الشمس فاستمعوا لي وأنصتوا لعلكم ترشدون، ولا خير في
رجلٍ سمع مقالتي هذه ثم تخلّف لغير عذرٍ منه أعذره به، فنظرنا في أنفسنا مندهشين! أيقول مثل هذا رجلٌ غريب لم نره قبل يومنا هذا! فرابنا أمره وشاقنا حديثه وأغرانا بما جاء به، فانصرف كلُ واحد منّا إلى أهله واتفقنا على أن نعود مع غروب الشمس.
فما غربت الشمس حتّى اجتمعنا في مقهانا وقد أتى كل واحدٍ منّا برفاقه بعد أن
أخبرهم بما سمعه من هذا الغريب. ولم نكن نجتمع في مثل هذا الوقت في المقهى، وما
انتظرنا حتّى دخل علينا الرجل فانقطعت الهمهمات لمجيئه وارتفعت الأبصار إليه وأومأ
كل واحد منّا لرفاقه يخبرهم أنه ذا. فسلّم علينا ورددنا السلام فجلس ثم مكث
طويلًا حتّى لقد تبرّم بعضنا من طول الجلوس فما كدنا نستعيد همهماتنا حتّى وقف
وقال:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله
من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتدي ولا مضل له ومن يضلل فلن تجد
له وليًا مرشدًا.
عباد الله اتقوا الله في السر والنجوى واعدلوا فذلك
أقربُ للتقوى ولا يجرمنّكم شنآن الأقوامٍ أو حسد الأقران أو العصبيّة للآباء أو حُب
الجاه والمال على أن لا تعدلوا اعدلوا وإلّا تهلكوا واعلموا أن العدل قيمةٌ الأخلاق الفُضلى التي تحتكم إليها كل القيم وبها تعرف خيريّة الأمور، فالعدل هو الحق
ولا حق إلا بالعدل ثم أما بعد:
فإن من ضروب العدل الإنصاف وإنصاف النفس من العدل
أيضًا، فاعلموا حفظكم الله أني جبتُ الأرض طولًا وعرضا وسبرتُ فنون الأدب نثرًا
وقرضا وعُرض علي أعاظم الأدباء عرضا فما قامت لمناجزيّ قائمةٌ ولا استقرّت لهم
أرضٌ، وما وجدت والله من هو أعلم منّي بالأدب وإنّي لمحدّثكم بأعظم الشعراء وحقيق
عليّ ألا أقول غير الحق فلا تسألوا فيم ولم ذاك، وانقلوا عنّي ولا حرج.
إنّ من استقامت له ذائقة العرب ودانت له وخشعت له
طريقتهم واتفقت له طبائعهم اتفاقًا لا اختلاف فيه هو أن أعظم الشعراء: -وسمّى لنا
اسمًا أنكرناه وقد نسيته- ثم صمت مدةً من الزمن وكنّا قد استحسنّا حديثه فأردنا أن
نستكمله فقال واحدٌ منّا: وفيم كان هذا أعظم الشعراء؟
فرفع رأسه ومد بصره للسائل وغضب غضبةً اضطرب لها
جسمه وظهرت بها أوداجه واحمرّ لها فكأنما فُقئ الرمّان بوجهه فقال ويحك! ما كان
لك أن تسألني هذا السؤال! أوا ما علمت أنه ما بقيَ أحدٌ يقرض الشعر منظومًا إلّا هو! فقلنا
منكرين وكيف ذاك وما يكاد يخلو فينا بيتٌ من شاعرٍ! فازداد غضبًا على غضبه وقال أو
تُماروني فيما لا علم لكم به! وهل هؤلاء الذين سميّتموهم شعراء إلّا مستشعرون! ثم
هدأ فجلس على أريكةٍ كانت بجواره وارتشف من الماء ما بلّ به ريقه وأعانه على
استكمال حديثه ثم قال: بالله عليكم هل يكون شعرًا ولاثم وزن! وهل قالت به العرب!
إن هو إلّا تقليدٌ للأمم الأجنبيّة واللغات الأعجميّة ما اتفقت له سليقة العرب ولا
أحوالهم فإن كنتم ولا بدّ تتلفظون به فلا تسمّوه شعرًا هكذا بحروف العرب ولا تضيفوه للشعر أو تضيفوا
الشعر له فبالله عليكم هل يكون الشعر نثرًا! إذًا يستوي الليل والنهار والظلمات
والنور والظل والحرور والكمد والحبور! أو ما سمعتم بمبادئ العقل الضروريّة وأن
منها عدم اجتماع النقيضين! فهل ثمّ عاقل يقول به أو عقل صريحٌ يؤيده! ولكنّه الذل
والانبهار واستبدال الليل بالنهار فما ترك لكم الغرب فنًّا إلّا أفسده، وما أفسده
بقوّة حجّته ولا بجمال سمته ولكن بهوانكم واستخذائكم. وهذا الذي تسمّونه "شعر النثر" بدعوى الحريّة من البحر، أنّى له أن يتحرر ومما يتحرر، وهل كان إلّا اتباعًا لصيحات الغرب وانقيادًا
لأفكاره فإذا ما نادى مناديهم بالحريّة المشؤومة والانسلاخات المعلومة لبّى له
الشرق بالنعيق غير مُميزٍ بين السماد والرحيق فقضوا على لغاتهم بالموت والحريق! ثم
السؤال هو: هل للحريّة ضابطٌ معلوم! فإن كان لا؛ فإذًا ما وُجدت الفنون ولا الأخلاق
والعلوم ولا كان الإنسانُ إنسانًا ولكان الكون كالمعدوم! وإن كانت هذه الحريّة بقيود
فنكون قد ارتضينا بضوابطٍ غير ضوابطنا وكان لزامًا علينا نتقُ حضارتنا واستبدال غير ثقافتنا، لا لعيبٍ فيها ولا استثقالًا لقيودها ولكن اشتهاءً لإصرٍ دنيوي ما أنزل
الله به من سلطان وما ألفته طبائعنا ولا اعتادت عليه غرائزنا فنعود بها جاهليّة، بل
الجاهليّة أشرف من أن تذُل هكذا، ولهي أمنع لأعرافها ولغتها وشعرها منّا. فمن كان
جاهلًا للحق يكان أهون ممن علم الحق وأعرض عنه، ومن عرف العزّة ثم انتكس كان أذل
ممن خنس ابتداءً، وقد انتكسنا وما خنسوا على جاهليّتهم.
ثم أطرق صاحبنا فكأنما استعبر أو كاد ولربما كان
منّا مثل ما كان منه، ثم قال بصوتٍ متهدّج: أحسن الله عزاءكم إنكم سترون في قادم
الأيّام أمورًا تنكرونها واختلافًا كثيرًا، والله المستعان.. ثم ذهب وجلسنا بعده مذهولين واجمين لا نحرك
ساكنين ولا يرتدّ لنا طرفٌ كأنما على رؤوسنا الطير.
تعليقات
إرسال تعليق